عبد العزيز الحكيم.. قيادة واعية لزمن صعب

خميس, 04/14/2022 - 12:30

نادرا ما يحصل إجماع حول القادة بعد رحيلهم، يخص أداءهم أثناء تصديهم، وذلك  لإمكانية القول بموضوعية التقييم، التي قد لا يمكن احرازها في حال وجودهم.
ربما تتأثر تلك الموضوعية بحضور القائد، كشاهد على الحدث، موجه لحالة النقد سلبا او إيجابا، فلعل الباحث يبتعد عن الإنصاف نكاية بالقائد، وربما يحاول البعض التزلف له بلحاظ تصديه، وما يمكن الحصول عليه من منفعة، كتلك التي يسعى لها البعض بوقوفهم على أبواب السلاطين.
ما قيل عن عبد العزيز الحكيم يثبت ما ذكر أعلاه، باعتباره من الشخصيات القيادية التي عملت على بناء النظام السياسي، الذي ساهمت به أغلب المكونات، عقب إسقاط نظام البعث بعد 2003، إذ صدرت إشارات من عدة جهات كانت تتبنى خيارات بعيدة عن رؤيته، تشيد بمواقفه وتؤكد عمق الرؤية ودقة التشخيص التي كان يتبناها، فضلا عن أولئك الذين كانوا متفقين معه بالمشروع، وان أختلفوا في بعض التفاصيل.
كثيرة هي المواقف، التي رافقت عملية التاسيس لعراق مابعد صدام، والتي كانت للحكيم بصماته الواضحة فيها، والتي أراد من خلال دفعه بإتجاهها، تجنب شر المخاطر التي حصلت عقب رحيله، مما يعكس البعد الأستشرافي وقراءته الواعية لأوضاع البلد، وما ستؤول اليه في حال لم تأخذ الفعاليات العاملة في الساحة برؤيته.
طالما أكد الحكيم على ضرورة الاهتمام بالبناء العقائدي، لأفراد المؤسسات الأمنية، حرصا منه على زرع الروح الوطنية، التي دمرتها سياسات البعث، فلا بد من إعادة الثقة بالجيش، وإعتماد آليات دقيقة لإختيار القادة، ويمكن القول بنجاح تلك التجربة، لفترة محدودة سرعان ما إبتعد المتصدون لهذا الشأن، عن تبني تلك الخيارات، فكانت النتيجة أن يسقط ثلث البلد، أمام شرذمة قليلة من الدواعش، وتنهار تلك القوة، التي كان لها حصة الأسد، من ميزانيات الدولة، لأغراض التسليح والتدريب والتخطيط..
كان الحكيم في طليعة المطالبين، بتأسيس قوة رديفة، تأخذ على عاتقها إسناد الجيش والشرطة، في مواجهة الهجمات، التي كانت تشنها عناصر الفكر الإرهابي، خصوصا في المناطق ذات التنوع السكاني والمذهبي، حين سعى لتأسيس ودعم عمل اللجان الشعبية، لحفظ الأمن في تلك المناطق، وطالب بربطها بالقائد العام للقوات المسلحة، لضمان شرعيتها القانونية وضبط حركتها من حالة الانفلات والفوضى، وبنفس الوقت إبعاد تهمة الخروج عن القانون، عن أبناء المكون الأكبر، الذين كانوا هدفا لعمليات القاعدة، وحماية الحركات العقائدية الناشئة، من وصفها بالميليشيات من قبل الإعلام المناويء للحالة العراقية، التي شهدتها المنطقة بعد التغيير.
قبال ذلك كان هنالك إصرارا من البعض، على ضرورة حصر الإنجاز بدافع الشخصنة، فعمد الى تبني خيارات مسلحة، تتصف بالعشوائية وعدم النضج، برفضها لمجمل الواقع الجديد وتصنفه على انه نتاج لقوى الاحتلال، التي اطاحت بصدام، فكانت تستهدف الجيش والشرطة وقوات الاحتلال، فضلا عن مقرات الحركات السياسية وشخوصها البارزين.
المراقب المنصف حين يتابع النتائج الإيجابية، التي تحققت جراء تبني خيار الذهاب لتأسيس الحشد الشعبي، عقب إعلان فتوى الجهاد الخالدة، التي صدرت عن السيد السيستاني، يجد بما لا يقبل الشك أنها ترجمة حية لمطالبة الحكيم آنفة الذكر، وان كان هنالك اختلاف بالتوقيت والآليات، وتشابه الظروف ودواعي التأسيس.
"إما جهلة أو أعداء للشعب العراقي "..هكذا وصف الحكيم بعض الجهات، التي وقفت بالضد من مشروع الفيدرالية، والذي حرص على تثبيته كمادة دستورية، حظيت بموافقة الشعب، كونه كان قرارا صائبا، لو تم الأخذ به في حينه لما له من انعكاسات إيجابية، تضمن حالة التعايش السلمي بين أبناء البلد، وينصف مدن ااوسط وااجنوب، التي كانت هدفا لسياسات الحكم الظالمة على مدى عقود، ويفتح الباب لتقسيم عادل للثروة، لكن التعصب الأعمى والجهل، حال دون تحقيق هذا الحلم، والذي أصر الحكيم على المضي به وحضر لقبة البرلمان، رغم مرضه لغرض التصويت عليه، لكن النوايا السيئة حالت دون تحقيق ذلك.
أي ما يكن فإن الشواهد كثيرة على إخلاص الحكيم لقضيته، وسعيه الحثيث لإنصاف القاعدة الجماهيرية، التي يعتقد أنها رأس المال الداعم، للفكر العقائدي الذي تقوده المرجعية الدينية، والتي يرى ضرورة قيادتها للأمة.
بناء على ما تقدم لايمكن إعتبار ما يصدر عن الفرقاء السياسيين، وما يقوله المتحدثون من مختلف التوجهات، انه نابع عن نوايا صادقة، يراد منها انصاف الرجل بعد غيابه، بل هي إنعكاس وتعبير عن الفشل، الذي منيت به بعض الكتل، جراء الإنسداد السياسي الذي خلفته نتائج الإنتخابات الاخيرة، والذي لابد للخروج منه من وجود زعيم سياسي، بقدرات الراحل عبد العزيز الحكيم، لما يحمله من مزايا القيادة الجامعة، التي تتعامل بنكران الذات في مثل تلك المنعطفات وإلا..
ما يحز في النفس حقا، ان كثير ممن يشيد بدور الحكيم ويترحم على أيامه كان من أشد المعرقلين لخطواته!

عباس البخاتي

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطرائف