تأمّلات في القواسم المشتركة بين الحكم في السعودية وإسرائيل

أربعاء, 04/18/2018 - 17:39

مع إطلالة كل صباح يُفاجئ وليّ العهد السعودي، العالم، وبخاصةٍ العرب، بمواقف وتصريحات صادمة، خاصة ما يتّصل منها بالكيان الصهيوني، والتي قد يتصوّرها البعض من مُثقّفينا وسياسينا إنها جديدة على تاريخ السعودية ومواقفها تجاه فلسطين والاحتلال الصهيوني لها، رغم أن الحقائق التاريخية تؤكّد نقيض ذلك التصوّر، وتقدّم لنا مادة معلوماتية دسمة في الاتصالات السرّية والعلنية بين آل سعود والكيان الصهيوني منذ المؤسّس عبدالعزيز آل سعود إلى الحفيد محمّد بن سلمان، ولقد كشفنا جوانب منها في دراسة منشورة لنا تحت عنوان “أولاد العم المُطبّعون: العلاقات السرّية بين آل سعود والكيان الصهيوني -2016”..

إلا أن الجديد ربما في مواقف وتصريحات محمّد بن سلمان، هو السرعة والاندفاع والجهل.. الجهل في ما يتّصل بهذا الصراع وطبيعته والجهل في أساليب تقديم، العلاقات الدافئة معه إلى الرأي العام الغاضب، على عكس ما كان يفعل جدّه وأعمامه من ملوك تلك المملكة، لقد كانوا يؤمنون بنفس أفكاره في حب الكيان الصهيوني ويرتبطون معه بعلاقات سرّية دافِئة، لكنهم كانوا أكثر منه، ذكاء وكياسة، في تغليف “الخيانة” لتبدو وكأنها خدمة للأمّة العربية، تأخذ تارة شكل “مبادرة عربية للسلام” وتارة أخرى شكل “حوار للأديان” وغيرها… ولم يكونوا بنفس اندفاع وجهل.. هذا الحفيد. على أية حال دعونا نفتح هذا الملف فقبل أيام قال وليّ العهد السعودي، محمّد بن سلمان، إن لـ”الإسرائيليين الحق في العيش بسلام على أرضهم”، مضيفاً أن “السعودية تتقاسم الكثير من المصالح مع إسرائيل”.

وفي مقابلة مع مجلة “ذا أتلانتيك” الأميركية، نشرتها الإثنين 2/4/2018، قال وليّ العهد السعودي، إنه يعتقد أن “من حق الفلسطينيين والإسرائيليين العيش على أراضيهم”. وأشار بن سلمان إلى أنه “علينا التوصّل إلى اتفاق سلام لضمان الاستقرار للجميع، ولإقامة علاقات طبيعية”، واصفاً الاقتصاد الإسرائيلي بـ”القوي مُقارنة بحجمها”، وأنه “في حال تحقيق السلام سيكون هناك الكثير من المصالح بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي، ودول مثل مصر والأردن”.

وقال بن سلمان إنّه “لدينا مخاوف دينية بشأن مصير المسجد الأقصى في القدس، وبشأن حقوق الشعب الفلسطيني. هذا ما لدينا. ليس لدينا أي اعتراض على أي شعب آخر”.

وفي موازاة ذلك أكدت الصحافة الإسرائيلية خلال الفترة الماضية على معلومات استخباراتية مهمة تفيد بأنّ خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لـ”التسوية” في الشرق الأوسط المعروفة بـ”صفقة القرن”، استحوذت على جزء كبير من المباحثات التي أجراها وليّ العهد السعودي مع أركان الإدارة الأميركية في واشنطن خلال زيارته الأخيرة.

وأفادت بأنّ كلاً من جاريد كوشنر، مستشار البيت الأبيض وصهر ترامب، وبن سلمان، (وهما أصدقاء في البزنس والسياسة!) أمضيا، قبل أسبوع، ساعات طويلة وعلى مدى ليلتين، في بحث مستقبل الخطة وإذا أضفنا لهذه المعلومات أخباراً أخرى عن لقاءات سرّية بين رئيس الأركان الإسرائيلي وبين بن سلمان للتنسيق الأمني المشترك ضد إيران، وإنها تمت قبل زيارة بن سلمان إلى واشنطن وأنه قد صاحبتها اتصالات أخرى بين مسؤولين سعوديين وإسرائيليين في أماكن عديدة من العالم بما فيها تل أبيب… إذا علمنا كل هذا فإن القول بتنامي العلاقات وتصاعد وتيرتها بين الدولتين، يصبح قولاً صحيحاً، وهو يؤكّد مجدداً أن التشابه في النشأة والأدوار والوظيفة في خدمة الغرب،، مثل مع (تشابهات وقواسم أخرى ) سنذكرها لاحقاً، دافعاً استراتيجياً للعمل المشترك بينهما تاريخياً، وهو ما سيتزايد وبقوة في زمن حُكم الأمير الطموح والمُتعجّل (محمّد بن سلمان)… لكل هذا دعونا نتناول بعض القواسم التاريخية بين الكيانين (السعودي والإسرائيلي) والتي ساهمت من بين عوامل أخرى سياسية واقتصادية، في سرعة التقارُب بين (سعودية محمّد بن سلمان ) والكيان الصهيوني.

أولاً: قيام الدولتين على أساس التوظيف السياسى للدين: رغم ادّعاءات محمّد بن سلمان وجوقة المُهلّلين له من إعلاميي المنطقة (خاصة في بلادي مصر)، بأن الرجل جاء ليقضي على الوهّابية، فإنه_ ونحسم الأمر هنا_ غير راغِب وغير قادِر.. لماذا؟ لأنها-أي الوهّابية -بالنسبة لحكمه الأساس ومصدر شرعيّته السابقة واللاحقة، ولنتأمّل أقواله الجديدة المؤكّدة على أهمية التمسّك بها، وأن اللعب والتغيير سيكون في الشكل فقط، في (الأفلام والأغاني والترفيه ومسرح جدّة واستحضار المُطربين والمُطربات !) وليس في جوهر دورها المساند للحُكم الوراثي في تلك المملكة، هذا الدور السياسي لتوظيف الدين هو عينه الدور السياسي للدين في الكيان الصيهوني، فلقد قام الكيان الصهيونى على أساس استغلال نصوص دينية قديمة في سبيل مشروع حديث طُعَّم بالفكر القومي الأوروبي وخاصة المُتّصل بمفهوم الدولة القومية وجمعها لشتات اليهود المنتشرين في العالم، فالحركة الصهيونية تمثل وجوداً أجنبياً غريباً عن المنطقة ينتمي إلى حضارة مُخالِفة هي الحضارة الأوروبية وتُعبّر بصيغةٍ ما عن صراع طويل وقديم بين تلك الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية – العربية، والحركة الصهيونية اكتمل نموّها بالدرجة الأولى تحت شعار ديني ووفاء لوعود وأمنيات دينية، وفي هذا الإطار فإن مدينة القدس على وجه التحديد باعتبارها مكاناً مُقدّساً لأتباع الديانات السماوية الثلاث صارت موضوعاً للدعاوي الدينية المُتضاربة والمُتعصّبة، وفي مواجهة السيطرة الإسلامية على المدنية وفدت عليها هجرات اليهود تحت شعار العودة إلى أرض الميعاد المزعوم.

ثانياً: العنصرية والتمييز العرقى والدينى: تميّز الكيانان الصهيوني والسعودي بالعنصرية تجاه أطراف رئيسة في داخل الكيانين، فنجد في الداخل السعودي قهراً مستمراً للطائفة الشيعية وما قتل الشيخ نمر النمر إلا نموذجاً واضحاً لذلك، وأيضاً صراعاتهم المكتومة مع اتباع المذهب الشافعي والمالكي المتواجد في منطقة الحجاز وتفضيل اتباع المذهب الحنفي (الوهّابية) المسيطرين على نجد.. إلى مثال آخر، وأيضاً حربهم المستمرة منذ ثلاث سنوات ضد أهل اليمن من اتباع المذهب الزيدي، واضطهاد أهل عسير وجيزان ونجران من أتباع نفس المذهب الزيدي إلا مثال أخير… وبالمقابل فإن الكيان الصهيوني يعيش هو الآخر تمايزاً بين اليهود أنفسهم حيث يتصدّر يهود أوروبا المقام الأول لأنهم القلّة المُختارة والصفوة صاحبة المشروع منذ بدايته، ويأتي اليهود ذو الأصول الشرقية والفلاشا وحتى اليهود الروس القادمون بعد إتمام المشروع في مراتب مُتدنيّة ويشكّل هؤلاء حلقات تُعاني من التمييز والدونيّة التي تعبّر عن ذاتها في الإقصاء والابتعاد عن دوائر صنع القرار السياسي والاقتصادي، ويبقى عرب 1948 داخل الخط الأخضر نموذجاً صارِخاً على عنصرية الكيان الصهيوني وطائفيته وتمييزه على أساس العرق والدين، فداخل ما يُسمّى “الخط الأخضر” الحدود غير الرسمية للكيان الصهيوني قبل عام 1967 لايزال هناك حوالي مليوني فلسطينى أي حوالى 20% من مجموع سكان إسرائيل ومعظم الفلسطينيين من المسلمين والأقلية تُدين بالمسيحية..

ثالثاً: التبعية للخارج والاعتماد عليه: بات واضحاً وعبر تجربة الدولة السعودية الثالثة التي أنشأها عبدالعزيز إبن سعود (1932)، إن الاعتماد على الخارج، سياسياً واقتصادياً، خاصة بعد اكتشاف النفط، قد صار عقيدة استراتيجية ثابتة لدى الحُكم السعودي، ونحسب أنه سيتزايد في عهد الملك القادِم (محمّد بن سلمان) لاعتبارات إقليمية ودولية عدّة، نفس الأمر بالنسبة للكيان الصهيوني الذي نشأ وترعرع بفعل العنصر الخارجي المُتمثّل في الدول الاستعمارية (تحديداً بريطانيا ثم أميركا) ليس فقط في بداية المشروع بل في حاضره الراهن من أجل استمرارية هذا المشروع، فكلا الكيانين لا يستطيعان أن يقفا على قدمين صلبتين من دون الدعم والمساندة من الخارج، هشاشة الكيانين تتطلّب العنصر الخارجي لأنهما مشروعان يتّصفان بهشاشة الشرعية وتزويرها.

رابعاً: وأخيراً الدولة الوظيفية: إن وقائع التاريخ والواقع المرّ الذي تعيشه المنطقة العربية منذ تأسيس كلا الكيانين (السعودي-1932) و(الصهيوني -1948) تؤكّد أن المنظومة الغربية قد جعلت من كليهما (جماعة وظيفية) لخدمة استراتجيات ومصالح غربية ودولية في المنطقة، والمُتأمّل لما قامت به السعودية تاريخياً ضد المشروع القومي لجمال عبدالناصر والتآمر الواسع عليه، ثم أدوارها المشبوهة في اليمن في الستينات وحتى حربها الأخيرة، وكذلك دورها في لبنان والربيع العربي المزعوم في سوريا والعراق وليبيا.. وغيرها من الأدوار؛ يجد أنها كانت بمثابة (جماعة وظيفية) تؤدّي أدواراً معلومة (وثائق ويكيليكس فضحتها) للقوى الخارجية وهذا الأمر لم يعد لكثرة وثائقه وحقائقه يحتاج إلى دليل… نفس الأمر يُقال عن الكيان الصيوني وحروبه ومؤامراته منذ النكبة (1948) وحتى اتفاقات السلام الزائِف والتطبيع مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينة.. إننا بالفعل أمام ليس فحسب دولتين مُتشابهتين في النشأة (الدامية) والوظائف والأدوار المستمرة حتى اليوم (2018) لتعطيل النهضة والوحدة في هذه الأمّة.. ليس هذا فقط.. لقد صرنا أمام تقاسُم لتلك الأدوار والوظائف علانيّة ومن دون خجل. وما هو قادم على أيدي الأمير الطموح والمُتعجّل (محمّد بن سلمان) أشدّ وأوضح..

بقلم : رفعت سيد احمد

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطرائف