إيران بين شروط البقاء ومنطق التفكيك

أحد, 01/18/2026 - 16:46

 

محمود الجاف

في لحظات التحوّل الكبرى لا تسقط الأنظمة دفعة واحدة، بل تُجرَّد قبل ذلك من معناها. فالتاريخ لا يُنهي الكيانات حين تعجز عن الصمود العسكري فقط، بل حين تفقد المبرّر الذي قامت عليه. النظام العالمي الجديد لا يعمل بمنطق الانقلابات المباشرة، بل بمنطق إعادة تعريف الشرعية. من يحق له أن يكون دولة، وبأي شروط، وتحت أي سقف سياسي واستراتيجي. وفي الشرق الأوسط تحديدًا، لم تعد الحكومات تُقاس بما ترفعه من شعارات قومية أو دينية، بل بمدى قابليتها للاندماج في منظومة دولية لا تحتمل المشاريع الرسالية ولا الهويات التعبوية العابرة للحدود. هنا يصبح الصراع أقل صخبًا، لكنه أشد عمقًا؛ صراع على الدور، والوظيفة، وعلى حدود الحركة لا على الشعارات. وضمن هذا السياق، لا يبدو النظام الإيراني حالة طارئة أو استثناءً، بل نموذجًا لدولة تجاوزت الخط الفاصل بين الهوية كمرجعية داخلية، والهوية كمشروع صدامي مع العالم. ومن هنا تبدأ مرحلة التريّث، ليس بوصفها تسوية، بل كاختبار أخير قبل إعادة الصياغة أو التفكيك.

 

 

أولًا: الإطار الحاكم للنظام العالمي الجديد

 

يقوم النظام العالمي الجديد في الشرق الأوسط على معادلة واضحة :

 

لا دولة دينية ذات مشروع رسالي، ولا دولة قومية تعبويّة قادرة على توحيد المجال السياسي خارج السيطرة الدولية. الهوية مسموحة بوصفها ثقافة وذاكرة، لكنها مرفوضة حين تتحول إلى مصدر سيادة مستقلة أو مشروع توسّع إقليمي. وفي هذا الإطار يُفهم التريّث مع النظام الإيراني على أنه إدارة مرحلة انتقالية، لا قبولًا باستمراره بصيغته الحالية. فإيران كيان يمتلك أدوات ردع، وشبكات نفوذ، وقدرة تعطيل، ما يجعل كلفة المواجهة المباشرة مرتفعة، ويفرض مسار الشروط بدل الصدام الفوري.

 

 

ثانيًا: شروط إضعاف إيران ومنطقها الاستراتيجي

 

 

1 : إنهاء البرنامج النووي الإيراني إلى الأبد

لا يقتصر الهدف على منع امتلاك السلاح النووي، بل يتجاوز ذلك إلى نزع القدرة الاستراتيجية  المستقبلية، وتفكيك المعرفة والقرار معًا. المطلوب تحويل الملف النووي من أداة سيادة إلى ملف مغلق تاريخيًا، بما يمنع إيران من امتلاك خيار الردع الأعلى في أي لحظة قادمة.

 

 

2 : تقييد البرنامج الصاروخي والحد منه فورًا

يمثل البرنامج الصاروخي لغة إيران في المواجهة وأداة توازنها مع خصومها. نزع هذه القدرة يعني انتقالها من دولة تمتلك وسائل الردع إلى دولة خاضعة لمنطق الردع الخارجي، وفاقدة لأهم أدوات الضغط والمناورة.

 

 

3 : تسليم كامل مخزون اليورانيوم المخصب

وهو شرط رمزي بقدر ما هو تقني، هدفه كسر فكرة الندية وإعادة ترسيم موقع إيران داخل الهرم الدولي كدولة منزوعة الامتيازات السيادية الحساسة، وإرسال رسالة واضحة لبقية الفاعلين الإقليميين.

 

 

4 : تصفية ملف الميليشيات دون استثناء

وهو جوهر الصراع الحقيقي، لأن هذه الميليشيات ليست أدوات ظرفية، بل تمثل العمق الاستراتيجي، ووسيلة النفوذ، وضمانة الدور الإقليمي. تصفيتها تعني إنهاء إيران كمشروع إقليمي، وحصرها داخل حدودها الجغرافية فقط. حتى في حال قبول النظام الإيراني بهذه الشروط كاملة، فإن المسار لا يقود إلى استعادة الشرعية، بل إلى تفريغ تدريجي للوظيفة والدور. فالأنظمة العقائدية لا تنجو من نزع عقيدتها، ولا تستقر بعد خسارة أدوات القوة التي بُنيت عليها.

 

 

ثالثًا: النتائج المتوقعة - ما بعد إيران

إنهاء الدور الإيراني، إن اكتمل أو تسارع، لن يكون حدثًا معزولًا، بل نقطة فاصلة في إعادة هندسة  الإقليم . غير أن هذا لا يعني فراغًا مفتوحًا أو فوضى شاملة؛ فالنظام الدولي لا يترك الفراغات، بل يعيد ملأها بأشكال أقل صدامية وأكثر قابلية للإدارة. ما سيجري هو إعادة توزيع نفوذ، وصعود نمط جديد من الدول الوظيفية التي تُقاس قوتها بقدرتها على ضبط الجغرافيا، وإدارة الاستقرار، ومنع تحوّل الصراعات إلى حروب كبرى. ومع تراجع المشاريع الرسالية، تدخل الميليشيات مرحلة الأفول، إما بالتفكيك، أو الدمج القسري، أو الذبول بعد فقدان الغطاء والشرعية.

 

 

أما العالم العربي، فيقف أمام اختبار تاريخي: 

إما التحول إلى شريك فاعل في إعادة تشكيل المنطقة عبر بناء دول مؤسسات واستقرار قابل للتحويل إلى قوة تفاوضية، أو البقاء ساحة تُدار من الخارج بأدوات محلية. الشروط المطروحة على النظام الإيراني لا تستهدف السياسات فقط، بل تضرب الأسس التي قام عليها منذ نشأته: الاستقلال الردعي، الامتداد الإقليمي، والشرعية العقائدية. وحتى إن نُفّذت هذه الشروط بالكامل، فإن ما يبقى ليس نظامًا متكيّفًا، بل كيانًا منزوع الدور، فاقد الاتجاه، يعيش زمنًا إضافيًا بلا أفق تاريخي. فالنهايات في السياسة لا تُعلن دائمًا بالحروب، ولا تُكتب في بيانات السقوط. أحيانًا تأتي على هيئة استمرار بلا معنى، وبقاء بلا وظيفة، ودولة حاضرة جغرافيًا لكنها منتهية استراتيجيًا. وفي عالم يُعاد تشكيله وفق ميزان المصالح لا الشعارات، لا يُسمح لمن خسر شروط اللعبة أن يفتتح فصلًا جديدًا، بل يُترك ليطوي صفحته ببطء، بلا ضجيج ولا عودة.

 

 

قوة العرب ومستقبل الإقليم

التحولات الكبرى في المنطقة لا تحددها دولة واحدة أو مشروع فردي، بل قدرة الشعوب والدول على تحويل الفرص إلى أدوات نفوذ واستقرار. العالم العربي اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما أن يثبت نفسه كشريك فاعل في بناء الإقليم الجديد، مستفيدًا من الفراغ الاستراتيجي لإعادة صياغة دوله ومؤسساته، أو يظل حلبة تُدار من الخارج، فاقدًا السيطرة على مصيره. القوة المستقبلية للعرب لن تُقاس بالشعارات ولا بالتاريخ المجيد وحده، بل بالقدرة على إدارة الحاضر وتحويله إلى مستقبل مستقر وفاعل

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف