العراق صديق غير موثوق» قراءة في التقييم الأميركي من زاوية المصالح لا النوايا

أربعاء, 01/21/2026 - 23:27

 

د. ثائر العجيلي 

منذ عام 2003، لم تنجح العلاقة الأميركية-العراقية في التحول إلى شراكة مستقرة أو تحالف موثوق، رغم مرور أكثر من عقدين على إسقاط نظام صدام حسين، ورغم الاستثمارات العسكرية والسياسية والمالية الهائلة التي وضعتها واشنطن في العراق. في التقييمات الدبلوماسية الرفيعة داخل دوائر صنع القرار الأميركي، يتكرر توصيف بات شبه ثابت: العراق صديق غير موثوق. هذا التوصيف لا يصدر عن عداء، بل عن خبرة متراكمة وفشل بنيوي في تحويل العراق إلى شريك يمكن التعويل عليه استراتيجياً.

 

أولاً: الدولة المزدوجة وانعدام وحدة القرار

المشكلة الجوهرية في نظر واشنطن ليست في الشعب العراقي، ولا حتى في الخطاب الرسمي المعلن، بل في ازدواجية الدولة. فالعراق، عملياً، لا يتحدث بصوت واحد. هناك حكومة رسمية ترتبط باتفاقيات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي المقابل هناك منظومة سياسية-عسكرية موازية، مرتبطة بإيران، تمتلك نفوذاً فعلياً على الأرض وعلى القرار الأمني والسياسي.

 

بالنسبة للأميركيين، لا يمكن اعتبار دولة ما صديقاً موثوقاً إذا:

• وقّعت اتفاقية أمنية ثم سمحت باستهداف القوات الأميركية.

• أعلنت الحياد الإقليمي بينما تشارك فصائلها المسلحة في صراعات خارج الحدود.

• تعهدت بحصر السلاح  بيد الدولة لكنها عجزت - أو رفضت - تنفيذ ذلك.

 

هذا التناقض البنيوي جعل أي التزام عراقي عرضة للتشكيك، وأي تفاهم سياسي هشاً وقابلاً للانهيار عند أول اختبار.

 

ثانياً: العراق كساحة لا كفاعل

في العقل الاستراتيجي الأميركي، يُقاس الحليف بقدرته على الفعل المستقل، لا بكونه مجرد ساحة صراع . والعراق، للأسف، يُقرأ في واشنطن كساحة نفوذ متنازع عليها أكثر منه دولة ذات سيادة كاملة.

 

فمن وجهة النظر الأميركية:

• بغداد لا تتحكم بالكامل بقرار الحرب والسلم.

• السياسة الخارجية العراقية تُدار بمنطق التوازن اللفظي لا الاستقلال الحقيقي.

• أي تصعيد إقليمي (إيران-أميركا، إيران-إسرائيل) ينعكس فوراً على الداخل العراقي دون قدرة الدولة على ضبطه.

وهنا تكمن الخطورة : الصديق غير الموثوق ليس من يختلف معك، بل من يعجز عن منع الآخرين من استخدامه ضدك.

 

ثالثاً: واشنطن لا تطلب الولاء… بل الوضوح

على عكس ما يُشاع في الخطاب الإعلامي المحلي، لا تطالب الولايات المتحدة العراق بأن يكون تابعاً لها أو عدواً لإيران. ما تطلبه - ولم تحصل عليه - هو الوضوح:

• وضوح في تعريف العدو.

• وضوح في الالتزامات الأمنية.

• وضوح في حدود الشراكات الإقليمية.

 

العراق الرسمي يرفع شعار "التوازن"، لكن التوازن في السياسة الدولية لا يُقاس بالنوايا، بل بالنتائج. والنتائج، من وجهة النظر الأميركية، تشير إلى أن العراق:

• يستفيد من الدعم الأميركي عند الحاجة.

• يتنصل سياسياً عند الضغط الداخلي أو الإقليمي.

• يترك الجنود الأميركيين في موقع الاستهداف دون قدرة أو إرادة حاسمة للحماية.

 

هذا النمط عزز الانطباع بأن بغداد شريك انتهازي لا استراتيجي.

 

رابعاً: الإرث المرير وتجربة ما بعد داعش

حتى في ذروة التعاون ضد تنظيم داعش، حين كانت المصالح متطابقة، لاحظت واشنطن أن:

• الانتصار العسكري لم يُترجم إلى إصلاح سياسي.

• الفصائل التي تلقت دعماً غير مباشر تحولت لاحقاً إلى خصم.

• الدولة لم تستثمر لحظة الإجماع الدولي لبناء سيادة حقيقية.

 

وبعد هزيمة داعش، بدل أن يتحول العراق إلى نموذج استقرار، عاد ليكون ساحة رسائل متبادلة، وقاعدة استنزاف منخفض الكلفة للقوى الإقليمية.

 

خامساً: لماذا "غير موثوق" وليس "عدواً"؟

رغم كل ما سبق، لا تصنف واشنطن العراق كدولة معادية. والسبب بسيط:

• العراق لا يملك مشروعاً عدائياً أميركياً واضحاً.

• الانقسام الداخلي يمنع تبني موقف استراتيجي موحد.

• هناك إدراك أميركي بأن القرار العراقي مختطف جزئياً لا عدائياً بالكامل.

 

لكن هذا لا يرقى إلى مستوى الثقة. فالصديق الموثوق هو من:

• يلتزم بما يوقع.

• يتحمل كلفة قراره السيادي.

• لا يسمح باستخدام أراضيه أو مؤسساته ضد شركائه.

 

خلاصة استراتيجية

في التقييم الأميركي البارد، العراق اليوم:

• ليس عدواً، لكنه ليس حليفاً.

• ليس مستقلاً، لكنه ليس محتلاً.

• ليس فاشلاً كلياً، لكنه عاجز سيادياً.

 

ولهذا يُوضع في خانة "الصديق غير الموثوق":

دولة لا يمكن الرهان عليها في الأزمات الكبرى،

ولا يمكن تجاهلها في الوقت ذاته.

 

ما لم يحسم العراق سؤال الدولة والسلاح والقرار، سيبقى في نظر واشنطن - وأغلب العواصم المؤثرة - طرفاً متقلباً، تُدار العلاقة معه بمنطق إدارة المخاطر لا بناء الشراكات.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف