ما سبب الهوس الشعبي بالفضائح الجنسية؟

سبت, 01/31/2026 - 12:27

الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

بينما كانت بغداد تغلي على صفيح ساخن من الترقب السياسي حول التهديدات الامريكية، وبينما كان المواطن العراقي يقلب كفيه حيرةً وهو يراقب عداد الأسعار, الذي لا يتوقف عن الصعود، ويترقب أخبار "تأخر الرواتب", والتي باتت الشغل الشاغل للموظفين، فُتحت فجأة نافذة رقمية صغيرة, لتمتص كل هذا الضجيج, وتستبدله بضجيج من نوع آخر, انها قصة علاء وزوجته.

ففي مشهد درامي غريب، استيقظ العراقيون على مقطع فيديو صورته زوجة لزوجها "علاء", وهو في وضع مخل مع فتاة أخرى. في غضون ساعات، تحول اسم "علاء" من نكرة إلى الشخص الأكثر بحثاً وتداولاً، وتراجعت أخبار التهديدات الأمريكية والضربات المحتملة إلى ذيل قائمة الاهتمامات، ليحتل "فراش علاء" الصدارة.

لكن ما سبب الهوس الاجتماعي بفضيحة جنسية؟ واين موضوع الستر وعدم افشاء الفضيحة كقيم اجتماعية سابقة.

 

 

·     الهروب من "ثقل الواقع" إلى "خفة الفضيحة"

هنا نجد أنفسنا أمام تساؤل جوهري يفرض نفسه على واقعنا.. وهو: ما الذي يدفع الفرد العراقي لغض البصر عن قضايا "تگص الرقبة" وتمس صلب حياته ومستقبله، مثل تأخر الرواتب او اقتراب الحرب, لينشغل بكل جوارحه بتحليل تفاصيل علاقة "علاء"؟

إن الإجابة تكمن في عمق التحليل النفسي لما يُعرف بالهروب من العجز؛ فالعقل الجمعي حين يواجه أزمات كبرى ومعقدة مثل دهاليز السياسة وخراب الاقتصاد، يشعر بـ "قلة الحيلة", لأنه لا يملك من أمره شيئاً أمام قرارات "الحيتان" واللاعبين الكبار، فيلجأ لاشعورياً إلى قضايا (على كد الايد) ليتنفس من خلالها.

ففي معمعة الرواتب، يجد المواطن نفسه في دور "الضحية" المكسورة التي تنتظر الفرج، وهذا يولد شعوراً خانقاً بالمهانة والضعف، لكنه حين ينتقل لقضية مثل قضية "علاء"، يخلع ثوب الضحية ليرتدي "رداء القاضي"، فيبسط نفوذه وسلطته التي افتقدها في الواقع، ويمارس حقه في "التشريح والإدانة" أو حتى "التحسّب والتعاطف".

إن هذه الفوضى الرقمية والجدل حول حياة الآخرين تمنح الفرد شعوراً وهمياً بأنه "صاحب كلمة" ومؤثر، حيث يفرغ شحنات الغضب والقهر عبر السخرية, أو الشتم, أو  كآلية دفاعية تخدّر ألم الواقع المرير، وتوهمه للحظات بأنه يمتلك زمام الأمور والقدرة على إصدار الأحكام، بعيداً عن واقع هو فيه مجرد رقم ينتظر دوره في طابور الأزمات التي "ما تخلص".

 

 

·     "علاء" ككبش فداء للأخلاق العامة

يتحول التهافت الشعبي المحموم على هذا النوع من "الفضائح الجارحة", إلى ما يشبه "المغتسل الجماعي" أو حفلة تطهير علنية، حيث يندفع الجميع لصب جام غضبهم على "علاء"، وينبرون لتحليل وتفسير وسحق كرامة "الزوجة" بكل تفصيل وتدقيق، وفي خضم هذه "الهوسة" العارمة، يتناسى المجتمع عن عمد كل أزماته البنيوية ومصائبه المعيشية التي (تاكل وتشرب وياه يومية).

هنا يصبح الحديث عن "نار الأسعار" وغلاء المعيشة موضوعاً باهتاً وممل و"ما بيه واهس" أمام الإثارة المفرطة أو "الأكشن" الذي توفره الفضيحة الموثقة بالصوت والصورة، والسبب ببساطة هو أن الفضيحة تضرب على وتر "الغرائز", وتدغدغ الفضول المكبوت، بينما الاقتصاد والسياسة تخاطب العقل البارد والجيوب "المنفضة" التي لا تملك غير الصبر؛ فالمواطن يهرب من واقع "الضيم" والحرمان الذي يعيشه، ليجد في نهش أعراض الآخرين والتشفي بهم مخدراً لذيذاً ينسيه همومه.

مفضلاً الانشغال بـ "سالفة" عابرة تثير الأعصاب, على مواجهة واقع مرير يحتاج إلى تفكير وحلول لا يملك القدرة على تحقيقها.

 

 

·     التنفيس عن "الكبت الاجتماعي"

 يتحرك المجتمع العراقي ضمن منظومة قيمية "محافظة جداً" ومحملة بقيود "ثگيلة" تضع أسواراً عالية حول المواضيع الجنسية، حيث يُعتبر الخوض فيها عيباً أو "كفراً" اجتماعياً يُمنع الاقتراب منه.

ولكن، ووفق القاعدة الأزلية التي تقول "كل ممنوع مرغوب"، فإنه بمجرد ظهور محتوى يكسر هذه "التابوهات" علماً وبصورة فاضحة، يجد الفرد نفسه مدفوعاً بـ "فضول غريزي" لا يقاوم، ليندفع نحو استكشاف تلك المنطقة المحظورة التي يُمنع من لمسها في حياته اليومية الواقعية، وكأنه يحاول فك شفرات عالم سري طالما حُرم منه.

أضف إلى ذلك، أن هذه الفضائح تتحول إلى نوع من "الترفيه الصادم" أو "سالفة الساعة" التي توفر للشخص مهرباً مؤقتاً من ضغوط الحياة المعيشية "المنشفة ريقه" والوضع الأمني القلق؛ فهي تمنحه فرصة للهروب من التفكير في الغد والمستقبل المجهول إلى عالم "الأكشن" والإثارة الرخيصة. وبدلاً من مواجهة الهموم الكبرى التي تستهلك روحه، يجد في الغوص في فضائح الآخرين "مخدرأً" يشغل باله ويملأ فراغه، وكأن المجتمع يغسل "الضيم" والقهر الذي يراه يومياً بمتابعة قصص "العرض والشرف" المسربة، في عملية تعويضية بائسة تمنحه شعوراً زائفاً بأنه "أحسن من غيره" أو أنه يمتلك حق الرجم والإدانة، هرباً من واقع لا يملك فيه أصلاً حق الاختيار.

 

 

·     البعد السياسي و"تصفية الحسابات"

في العراق، لا يمكن عزل "الفضائح الجنسية" عن دهاليز السياسة، فهي لم تعد مجرد حوادث اجتماعية، بل تحولت إلى "سلاح كتاّل" يُستخدم في تصفية الحسابات وكسر العظم بين الأقطاب المتصارعة... والحقيقة له بعدان:

البعد الاول هو التسقيط السياسي: وما يسمى بالضربات تحت الحزام, ويتم التعامل مع الفضيحة كـ "قنبلة موقوتة" يُحسب وقت انفجارها بدقة متناهية؛ فغالباً ما يظهر "فيديو مسرب" أو "تسجيل صوتي" في لحظات حرجة، مثل فترات الانتخابات أو عند تصاعد الغضب الشعبي ضد قضية فساد "تاكل بالدولة". هنا، يُستخدم التسقيط كأداة لـ "حرق ورق" الخصم وتشويه سمعته أمام جمهوره، أو كـ "دخان تعمية" لإشغال الرأي العام وحرف أنظاره عن أزمات حكومية خانقة, أو صفقات مشبوهة بمليارات الدنانير.

بدلاً من أن يتحدث الناس عن السرقة والنهب العام، ينهشون بـ "عرض" فلان أو علان، وهذا بالضبط ما يريده المخطط خلف الكواليس.

البعد الثاني هو صراع النفوذ ولعبة الابتزاز: وقد تحول الابتزازات الإلكترونية إلى مؤسسات منظمة وأجنحة سرية داخل صراع القوى؛ حيث يتم "تضميم" الملفات وجمع "العثرات" الأخلاقية للخصوم في أدراج خاصة، بانتظار "ساعة الصفر" أو اللحظة التي يقرر فيها الخصم التمرد أو الخروج عن الطاعة. هذا السلوك حوّل السياسة إلى "ساحة ابتزاز" متبادل، حيث يمتلك كل طرف "مستمسكاً" على الآخر، مما يجعل الاستقرار السياسي مبنياً على الخوف من "الفضيحة" وليس على المبادئ. إن نشر هذه الغسيل القذر في الفضاء العام هو بمثابة "تصفية جسدية معنوية"، تنهي المستقبل السياسي للشخص بلمحة بصر وتجعله "منبوذاً" اجتماعياً، وهي وسيلة أرخص وأسرع من الصراعات التقليدية، مستغلةً "حساسية" المجتمع العراقي المفرطة تجاه قضايا الشرف.

 

 

·     الختام:

يتضح لنا أن قصة "علاء" لم تكن مجرد حادثة عابرة أو خرقاً لمنظومة "الستر" التقليدية، بل هي مرآة عاكسة لانكسارات المجتمع العراقي المعاصر.

إن هذا الاندفاع الجمعي خلف الفضيحة ما هو إلا صرخة صامتة من الهروب؛ هروب من قهر "نار الأسعار" وتأخر الرواتب وتهديدات الحروب التي تجعل المواطن يشعر بقلة الحيلة، ليرتمي في أحضان "الأكشن" الاجتماعي الذي يمنحه دور القاضي والجلاد بدلاً من دور الضحية المنسية.

لم تعد الفضيحة الجنسية مجرد "سالفة" يتسلى بها المكبوتون، بل أصبحت أداة سياسية فتاكة و"دخان تعمية" يُراد به حرف الأنظار عن حيتان الفساد الذين ينهشون قوت الناس، ليتركوهم ينهشون في أعراض بعضهم البعض.

إن انشغالنا بـ "فراش علاء" وتركنا لقضايا "تگص الرقبة" هو الانتصار الحقيقي لكل من يريد لهذا الشعب أن يبقى مخدراً بـ "الابتزاز الإلكتروني" وصراعات النفوذ القذرة. وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: إلى متى سيظل "المستمسك الأخلاقي" هو المحرك لعواطفنا، بينما تضيع حقوقنا ومستقبلنا في دهاليز السياسة التي لا ترحم؟ إنها ليست مجرد فضيحة رجل، بل هي تعرية لواقعنا الذي بات يفضل "خفة الفضيحة" على "ثقل المسؤولية".

 

 

 

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف