
حسين نعمة الكرعاوي
في لحظة متأخرة من العمر، لا تهبك الحقيقة صدمة، بل برودة تغزو العظام بعد عقود من الضجيج، كهدير صامت في فراغ صدرك، ترى الحياة كما هي: ليست عادلة، لكنها صادقة، لم تخطئ معك شخصيًا، بل صبرت لتريك وجهها العاري حين صرت قادرًا على تحمّلها، تقف في منتصف الطريق، خلفك مبادئ استُهلكت في المقاومة، وأمامك واقع يرفض القناعات، يطلب امتثالك الصامت، هنا تتعلم المشي مع الريح، وأنت تعرف أنها لا تشبهك، وأن تبرر لنفسك خيانتك كي تبقى، كل خطوة نحو النجاة تسحق جزءًا منك، كل نفس يذكّرك بأن الانكسار صار خيارًا عقلانيًا.
الهرب لم يكن يومًا خلاصًا، بل موتًا بطيئًا ممتدًا كظل يلتصق بك في الظلام، والمواجهة العارية ليست بطولة، بل مقامرة مع عدو بلا قلب، بين الجبن والتهوّر، تقف الحقيقة صامتة: النجاة تحتاج عقلًا لا اندفاعًا، والهارب أسير اللحظة التي فرّ منها، والمندفع يضيع في اللحظة التي ظنّها خلاصه، أما الواعي، فيتراجع حين يكون التراجع قوّة، ويتقدّم حين يصبح الصمت خيانة، فالقوة ليست اصطدامًا بالجدار، ولا فرارًا منه، بل فهمه، اكتشاف ضعفه، وتحويل الخوف إلى بوصلة، لا قيود.
تجلس أمام عمرك، تحصي خساراتك وانكساراتك، ترى وجوه السنوات كما لو كانت جروحًا على الحائط، تدرك أن حياتك لم تُبنَ، بل استُهلكت، وأن أثقل ما حملته لم يكن ما أخذته الحياة، بل ما منحتها فوق طاقتك، وما ضحيت به للآخرين حتى تهدّمت روحك دون أن تنتبه.،كنت الملجأ، حتى صرت بلا مأوى؛ كنت السند، حتى تهشّمت؛ كنت الحل، حتى صرت العقدة، الخطأ لم يكن قلبك، بل الإفراط في إنسانيتك، تحويل الحب والكرم إلى نزيف دائم.
ومع ذلك، لا تكره نفسك، ولا تندم على وعيك، بل تحزن لأنك كنت تستحق أن تُنقذ مرة واحدة كما أنقذت الجميع، وأن النضج الحقيقي ليس البقاء قائمًا في عالم قاسٍ، بل معرفة متى تتوقف، متى تحمي ذاتك، ومتى تعيش ضد نفسك، بكامل وعيك.
كل لحظة، كل نفس، كل انكسار، هو مشهد مكتمل من حياتك، لوحة متحركة من صراعك، ألمك، ووعيّك، الذي يجعلك حيًا وسط الخراب.















