
قصة حقيقية قصيرة:
تتطاير أتربة الدرب المعطرة بعطر الحنين، وتخطو الأقدام الحافية على جمر الشوق نحو من لا تطفأ ناره في قلوب العاشقين. أيام وليال والزائرون يقطعون الفلوات والقفار، لا يلويهم تعب ولا ينال منهم لغوب، يشد بعضهم أزر بعض، وحين يغشى الليل بتسريحه العتيد طريق السائرين، تفتح المواكب البيوت والقلوب معاً.
كان رجل وزوجته وأولاده قد أنهكهم المسير حين أقبل الليل بظلامه، فاستوقفهم رجل مسن تقاسيم وجهه تنبض بالطمأنينة، يرتدي دشداشة بيضاء وكوفية هادئة. اقترب منهم بابتسامة دافئة وطلب إليهم بإلحاح محب أن ينزلوا عنده ضيوفاً، ليتشرف بخدمتهم احتساباً وثواباً للإمام الحسين عليه السلام. لم تتردّد العائلة في تلبية النداء؛ فتوجهت النساء إلى جناح العوائل، بينما مضى الزائر مع مُضيفه إلى مضيف الرجال.
بعد أن أدى الجميع صلاتي المغرب والعشاء، وتناولوا طعام الضيافة الذي فاح منه عبق الجود، التفت الزائر إلى المضيف شاكراً لجميل صنيعه وحسن استقباله. وهنا فاجأه المضيف بطلب هادئ:
"أرجو منك أن تقرأ سورة الفاتحة على روح (سكيوه)، وتهدي ثواب هذه الزيارة المباركة لها".
واستمر المضيف يكرر نفس الطلب مع كل زائر يدخل عليه، مما جعل الحضور يتبادلون النظرات في فضول حتى ظن أحدهم أنها أمه.
فبادر الزائر بسؤاله:
ـ أرى تعلقك بها عظيماً، إنك تحب أمك كثيراً على ما يبدو.
ابتسم المضيف ابتسامة حزينة وقال:
ـ إنها ليست أمي.
تعجب الزائر وقال:
ـ إذن فمن هي؟
تنهد المضيف بعمق، وجال بنظره في وجوه الحضور، ثم طفق يحكي حكايته قائلاً:
" في زمن النظام البائد، كنت من أشد البعثيين تطرفاً وغروراً، متحمسًا لتنفيذ تعليمات الجلاوزة في منع زيارة الإمام الحسين عليه السلام، وملاحقة المواكب وإقامة مجالس العزاء. وفي ليلة مظلمة حالكة، صدرت الأوامر المشددة بالخروج لدوريات التفتيش والقبض على كل مخالف لقرار المنع. ارتديت عدتي الكاملة وخرجت والشر يتطاير من عينيّ. وأثناء مسيرنا في الأزقة المظلمة، سمعت صوتاً ضعيفاً ينادي بنداء أشبه بالهمس: (بثواب الحسين... بثواب الحسين).
اقتربت من مصدر الصوت، فوجدت امرأة عجوزاً ضريرة لا ترى بعينيها شيئاً، فقيرة الحال، قد فرشت حصيرة بالية على الأرض وضعت عليها ما تيسر من تمر وماء قليل لعلها تطعم به زائراً عابراً. كانت ثيابها رثة، وقد زحفت عباءتها عن رأسها ووقع غطاؤها فبان بعض شعرها وهي لا تدري شيئاً من أمرها. شعرت بحركة لا إرادية تنبض في أعماق روحي، فقمت بترتيب غطاء رأسها ورفعت عباءتها وأعدتها على كتفيها، وقلت لها بصوت مشفق: (هيا، سأوصلك إلى البيت). لا أعرف حقاً لماذا فعلت ذلك بالرغم من قسوة قلبي وفكري آنذاك. أوصلتها وعدت إلى بيتي، وما إن وضعت جبهتي على الوسادة حتى غطست في نوم عميق، فرأيت في المنام كأني أقف في أرض جرداء واسعة، وحولي رفاقي ورفيقاتي من البعثيين، وإذا بالسماء تفتح لتُرسل علينا كتلًا من نار متوهجة تحرق كل من تصيبه.
رأيت رفيقاً لي يحترق، ورفيقةً أخرى تذوب في النار، فاستولى عليَّ رعب لم أره طوال حياتي. وفجأة، ظهرت أمامي (سكيوه) بنفس ثيابها الرثة التي رأيتها بها، لكنها كانت مبصرة ترى كل شيء بنور غريب، ونادتني بصوت حانٍ: (امسك بعباءتي وسأخرجك!). وبالفعل، صرت أتبعها، وكلما هجمت عليَّ نار السماء، رفعت عباءتها العريضة فدفعت بها النار عني، وظلت تمشي أمامي حتى أخرجتني إلى بر الأمان. استيقظت من النوم وأنا أتصبب عرقاً، وأرتجف هلعاً، فأعلنت في تلك اللحظة توبة نصوحاً صادقة لله عز وجل، وعقدت العزم على ألا أعود لتلك الأفعال القبيحة أبدًا.
في الصباح الباكر، بعت داري وكل ما أملك، وأخبرت رفاقي أنني مطلوب لثارٍ شخصي كي يصدقوا هربي، واقتنعوا بالقصة. هربت إلى إحدى المحافظات النائية وبقيت مختبئاً فيها حتى أذن الله بسقوط النظام البعثي اللعين. وحين أشرقت شمس الحرية، خرجت ونذرت ما تبقى من عمري لخدمة زوار الإمام الحسين عليه السلام، وأجعل ثواب كل عمل صالح لروح (سكيوه) التي أنقذتني من هلكة الدنيا والآخرة."
عم الصمت أرجاء المكان، ودمعت عيون الحاضرين تأثراً بهذه القصة العجيبة. وهنا التفت أحد الزائرين إلى المضيف وقال بصوت خاشع:
" إذا كانت هذه كرامة امرأة فقيرة مثل (سكيوه)، بحيث أنقذت بشفاعتها رجلاً من عذاب النار، فكم يا ترى هي كرامة الإمام الحسين عليه السلام عند الله؟!"
.........................................................................................
حيدر حسين سويري
كاتب وأديب وإعلامي













