السلام كجريمة حرب: لماذا كان يجب أن يموت السادات على المنصة

جمعة, 10/23/2026 - 12:20

السلام كجريمة حرب: لماذا كان يجب أن يموت السادات على المنصة

قراءة سياسية استراتيجية.

علاء القيسي

 

أنور السادات: الرجل الذي فجّر الحرب ليصنع السلام ، العبقري الذي فهم أمريكا قبل أن تصبح القطب الأوحد ، ودفع حياته ثمنا لذلك الفهم.

كل زعماء الشرق الأوسط أرادوا تغيير الحدود ، وحده أنور السادات أراد تغيير قواعد اللعبة نفسها.

عندما مات جمال عبد الناصر في 1970 ، استلم السادات دولة منهارة عسكريا ، مفلسة اقتصاديا، ومحتلة سياسيا من الاتحاد السوفيتي ، مراكز القوى في القاهرة استخفت به واعتبروه رئيسا انتقاليا ضعيفا ، كان هذا أول وأكبر انتصار له ، الرجل الذي يبدو ضعيفا لا يراقبه أحد ،

السادات لم يكن يريد أن يحكم مصر ، كان يريد أن يعيد اختراعها .

1- حرب أكتوبر: حرب لا تهدف للنصر :-

أكبر خطأ في قراءة السادات هو اعتباره جنرالا فقط ، فهو لم يكن يفكر كعسكري ، بل كمخرج مسرحي يفهم مسرح السياسة الدولية وكواليسها .

لم يشن حرب أكتوبر 1973 لكي يحرر سيناء بالدبابات ، كان يعرف أن هذا مستحيل أمام التفوق الإسرائيلي ، هو شن الحرب لكي يكسر نظرية "إسرائيل التي لا تقهر" ويدمر نظرية "العرب الذين لا يحاربون" في نفس اللحظة.

الهدف لم يكن عسكريا، بل نفسيا وسياسيا ، يريد 10 كيلومترات شرق القناة، وصورة جندي مصري رافعا علمه، لكي يستطيع الذهاب بعدها إلى طاولة المفاوضات وهو ليس مهزوما.

عبقرية السادات أنه استخدم الحرب كأداة تفاوضية، لا كأداة تحرير. وهذا ما لم يفهمه العرب حتى اليوم. الحروب في الشرق الأوسط عادة تبدأ لأن المفاوضات فشلت، عند السادات، بدأت الحرب لكي تنجح المفاوضات.

2- القطيعة مع موسكو:- أول من رأى المستقبل

في يوليو 1972، وفي خطوة صدمت العالم، طرد السادات 20 ألف خبير سوفيتي من مصر.

الكل قرأها كقرار أهوج ، وفي الحقيقة كانت أذكى قراءة جيوسياسية في القرن العشرين عربيا على الأقل، السادات فهم مبكرا جدا، قبل سقوط جدار برلين بـ 17 سنة، أن الاتحاد السوفيتي قوة تعطيك السلاح لكي تخسر، بينما أمريكا هي القوة الوحيدة القادرة على إعطائك أرضك لكي تربح.

قالها لوزير خارجيته بوضوح: "السوفيت لا يستطيعون إعطائي إلا حربا، أنا أريد سلاما، والسلام موجود في واشنطن فقط".

من هنا بدأ تحويل مصر من حليف سوفيتي إلى حليف أمريكي. لم يكن انقلابا أيديولوجيا، بل كان استثمارا. باع الوهم السوفيتي واشترى الواقع الأمريكي. كل دول الخليج فعلت نفس الشيء بعد 20 سنة.

3- زيارة القدس 1977: اغتيال لفكرة العروبة

الذهاب إلى الكنيست الإسرائيلي كان انتحارا سياسيا بكل المقاييس. لكن السادات كان يطبق مبدأ الصدمة.

هو أدرك أن الصراع العربي الإسرائيلي وصل إلى طريق مسدود لغويا. الجميع يتحدث عن "إزالة آثار العدوان" و"القرار 242" ولا أحد يتحرك. فقرر أن يكسر التابو الأكبر. يذهب إلى قلب العدو ويقول: أنا أعترف بكم، فهل تعترفون بي؟

العالم كله، بما فيه هنري كيسنجر، اعتبرها اخراجاً لمسرحية عبقرية . لكن ثمنها كان فادحا . السادات حرر سيناء، لكن إسرائيل خرجت من عزلتها . أخرج مصر، أكبر دولة عربية، من معادلة الصراع ، وهنا تكمن مأساته الاستراتيجية لقد ربحت مصر وخسر النظام العربي. وقّع سلاما منفردا لكي يصنع سلاما شاملا، فانتهى به الأمر بسلام منفرد فقط.

5- كامب ديفيد: سلام الشجعان الذي لم يكتمل

اتفاقية كامب ديفيد 1978 هي أعظم إنجاز دبلوماسي عربي في القرن العشرين، وأكبر خطأ استراتيجي في نفس الوقت.

الإنجاز: استعاد 60 ألف كيلومتر مربع كاملة السيادة دون طلقة رصاص إضافية. لا يوجد زعيم عربي آخر فعل ذلك.

الخطأ: أنه قبل بربط مصير القضية الفلسطينية بـ"حكم ذاتي" غامض، دون ضمانات. كان يعتقد أن بوابة سيناء ستفتح بوابة فلسطين. لكن مناحيم بيغن كان أذكى واخبث في التفاصيل، أخذ الاعتراف المصري وترك الفلسطينيين مع وعود.

السادات حصل على جائزة نوبل، لكنه حصل أيضا على مقاطعة عربية ونقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس. أصبح بطلا في الغرب، ومستبعداً في الشرق .

6- لماذا قُتل؟

اغتيال السادات في 6 أكتوبر 1981 لم يكن بسبب معاهدة السلام فقط ، قُتل لأنه جمع كل التناقضات في شخص واحد.

فتح الاقتصاد "الانفتاح" فخلق طبقة جديدة على حساب الفقراء واليسار .

أطلق سراح الإسلاميين ليضرب بهم اليسار، فانقلبوا عليه.

وقّع السلام مع إسرائيل، فخسر الشارع القومي ،

واعتقل الجميع في سبتمبر 1981، فخسر حتى الليبراليين ، كان يقف وحيدا تماما على المنصة ، الرجل الذي أراد أن يرضي أمريكا وإسرائيل والفقراء والأغنياء والإسلاميين في نفس الوقت ، انتهى بلا أحد يحميه. خالد الإسلامبولي لم يقتله وحده ، قتله الانفجار الداخلي لمشروعه.

الخاتمة: لماذا يعود السادات الآن؟

كلما انفجر الشرق الأوسط، يعود شبح السادات.

اليوم، اتفاقيات أبراهام هي نسخة معدلة من كامب ديفيد. نفس المنطق ، السلام مقابل التكنولوجيا والاستثمار والأمن من أمريكا . نفس الانتقاد ، سلام بارد مع الأنظمة دون شعوبها ، نفس السؤال ، هل يمكن شراء المستقبل ببيع الماضي؟

السادات علمنا درسا قاسيا ومفيدا ، في السياسة الدولية، الشجاعة ليست أن تقول "لا" إلى الأبد، الشجاعة هي أن تقول "نعم" في الوقت الذي يعتبرك الجميع خائنا إذا قلتها.

لم يكن قديسا ولا خائنا. كان براغماتيا متطرفا في منطقة تعشق الشعارات. أراد لمصر أن تكون دولة طبيعية، لا قائدة لثورة أبدية. ولهذا، أحبّه الغرب وكرهه الكثير من العرب، ثم بعد 40 سنة، بدأ الجميع يفعل مثله.

عبقريته لم تكن في أنه كان على حق دائما، بل في أنه فهم أن البقاء على حق بشكل مطلق هو طريق مؤكد للهزيمة.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف