
يوسف السعدي
يصنع التاريخ رجالٌ يتحولون إلى رموز، ويصبح نهجهم مدرسةً للأجيال، وشهيد نصر العراق، لم يكن مجرد اسم عابر، بل كان عقل الميدان وروح المشروع الصامد في وجه القسوة، ظهر في لحظة تهديد وجودي للعراق، وغاب جسداً ليبقى فكرةً حية لا تموت.
برز المهندس منذ وقتٍ مبكر كأحد الكوادر الجهادية المؤمنة بمشروع الدولة والقرار المستقل، وكان من أوائل القادة الذين ساهموا في تأسيس وتنظيم فيلق بدر ضمن إطار المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي ترأسه الشهيد السيد محمد باقر الحكيم، في مرحلة كانت فيها إيران حاضنةً لقوى المعارضة العراقية ومركزاً لإعادة بناء الوعي السياسي والجهادي ضد نظام صدام.
لقد تبلورت شخصيته القيادية داخل هذا السياق، جامعاً بين العمل التنظيمي والعسكري، وبين الانضباط العقائدي والمرونة الميدانية، ما أهّله لاحقاً ليكون شخصيةً محورية في محور المقاومة، يمتلك بصيرة القائد ودقة المنفذ، لم تكن قراراته وليدة الصدفة، بل نتاج تجربة قتالية طويلة وخبرة أمنية وسياسية نادرة، جعلت منه قائداً شاملاً يقرأ الخرائط قبل رسمها، ويخطط للمستقبل بعيداً عن الاندفاع.
تتجلى عظمة الرجل في إنسانيته التي سبقت رتبته العسكرية، فكان الأب للمقاتلين والجندي المتواضع بين صفوفهم، آمن بأن خدمة النازحين ورعاية عوائل الشهداء والجرحى واجبٌ لا يقل قدسية عن القتال، بالنسبة له، لم تكن البندقية مجرد سلاح، بل أداة لحماية الإنسان وخدمة المجتمع.
بدأ مساره الجهادي مبكراً، مساهماً في تأسيس فصائل المقاومة ومواجهاً نظام صدام بعمليات نوعية انطلقت من مبدأ استقلال القرار، وحين جاء وقت انسحاب القوات الأمريكية، كان الضمانة التي أدارت العملية بثقة الدولة وحكمة القائد، مشرفاً على خروجٍ منضبط بعيداً عن صفقات الميدان العابرة.
لم تقتصر رؤيته على الحدود الجغرافية، ففتح معبر القائم–البوكمال كان خطوةً استراتيجية لربط المحور، وإصراره على إحياء يوم القدس عكس إيمانه بمركزية القضية الفلسطينية، حتى في ذروة الأزمات، كما حدث في اعتصام السفارة، كان يدير المواقف بحسٍّ عالٍ يمنع الفوضى ويحفظ هيبة المؤسسات.
إن هزيمة "داعش" لم تكن مجرد نصرٍ عسكري، بل ثمرة قدرته على توحيد تنوع الحشد الشعبي وصياغة بنيانه المتين لذا، فإن اغتياله مع رفيقه الشهيد كان زلزالاً هزّ المنطقة، واعترف العدو بأنه استهدف مشروعاً كاملاً لا شخصاً واحداً، أنه مشروع الهلال الشيعي واليوم، يعيش مهندسنا في وجدان الملايين كقائدٍ خاض الحرب لتشتري أمته كرامتها وسلامها.














