أزمة النخبة الموريتانية بين الترهل والانفصام، واستثمار الأزمة لإدامة التبعية/الولي سيدي هيبه

أحد, 01/25/2026 - 11:09

 

في صميم المشهد الموريتاني المعاصر، تعيش النخبة الفكرية والثقافية أزمة مركبة، تتداخل فيها مظاهر الترهل البنيوي مع انفصام تاريخي عميق. فبدل أن تضطلع بدورها الطبيعي بوصفها طليعة للتغيير وقاطرة للتحول نحو استخلاف حضاري يقوم على إعمال العقل وإقامة العدل، انقسمت هذه النخبة إلى نموذجين متقابلين في الشكل، متشابهين في الفشل.

نخبة رجعية، تحتكر الخطاب الديني والهوياتي لتأبيد امتيازاتها، وتفرغ المفاهيم الكبرى من محتواها التحريري. ونخبة واعية في تشخيصها، لكنها خائبة في فعلها، منزوِية في أبراجها العاجية، عاجزة عن التواصل مع المجتمع أو التأثير في مساراته.

هذه الأزمة ليست عارضة ولا هامشية، بل هي تعبير عن خلل بنيوي حول النخبة من أداة للتقدم إلى عائق أمامه، ومن رافعة للوعي إلى مادة سهلة للاستغلال السياسي.

تتمثل خطورة النخبة الرجعية في قدرتها على سلب المعنى وتكريس الجمود، وتحويل كل مصدر من مصادر القوة الحضارية إلى أداة تدمير ذاتي. فهي تمارس سرقة اللفظ وتزوير المعنى، مستخدمة مفردات التقدم لتكريس نقيضه: فالدين يختزل إلى غطاء لمعاداة العقل، والعلم يتحول إلى شهادات للزينة الاجتماعية، والهوية تختزل في قوالب مغلقة تخنق الفكر وتمنع التجدد.

وتعمل هذه النخبة على خلق مناخ ثقافي يجرم فيه النقد ويصور التفكير الحر باعتباره خروجا على "الدين" أو "الثقافة"، فيتحول المجتمع إلى حظيرة فكرية، تدار بالتحريم والتخويف بدل الحوار والإقناع. كما تحول المعرفة إلى سلعة طبقية، تحتكر وجهيها الديني والدنيوي، لتبقى نادرة ومنتجة لرأس مال رمزي يضمن استمرار الهيمنة، فتقتل الروح التحريرية للعلم، ويعاد إنتاج "السيباتية" بأدوات العصر من إعلام وتكنولوجيا وخطاب منمق.

في المقابل، تعكس خيبة النخبة الواعية فشل المشروع التنويري ذاته في تحقيق اختراق فعلي. فهي نخبة تمتلك أدوات التشخيص، لكنها تعاني عزلة لغوية وثقافية، تتحدث بلغة فلسفية بعيدة عن هموم الناس، وتعيش انفصاما بين القول والفعل؛ ترفع شعارات المقاومة والتغيير، بينما تتواطأ عمليا - عن وعي أو عن ضعف - مع دوائر الفساد أو تسعى إلى امتيازات جزئية. وهي نخبة هشة، سريعة الانكسار أمام أول ضغط، لغياب قاعدة اجتماعية حاضنة، فتتأرجح بين بكاء على الأطلال وانسحاب إلى اليأس. كما تكشف عقم الحلول المقترحة عن عجزها عن تحويل التشخيص الدقيق إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ.

وتتفاقم هذه الأزمة في تربة موريتانية خصبة لثلاثية تدمير بنيوية:
القبلية المؤسسة، التي تحولت من رابطة اجتماعية إلى شبكة مغلقة لتوريث الامتيازات وإقصاء الكفاءات، واستنزاف الطاقة الوطنية في صراعات وهمية.
والتراتبية الاجتماعية المتجددة تحت غطاء "العرف"، التي تعيد إنتاج تقسيمات جائرة تقتل الكرامة وتشرعن الظلم.
ثم توظيف الدين، وهو الأخطر، حيث يختزل الدين ـ المحرر للعقل والمقيم للعدل ـ في طقوس شكلية تستخدم لتبرير الواقع القائم، وتجريم النقد، وإنتاج نفاق مؤسسي وجاهلية معاصرة.

الأخطر من ذلك أن هذه الأزمة تحولت إلى أداة سياسية فعالة، تستثمر بمهارة لإدامة التبعية. إذ تغذى الانقسامات القبلية والهوياتية وتضخم لتتحول إلى هويات صراعية دائمة تُلهي المجتمع عن قضايا التنمية. ويوظف الدين في الصراع السياسي، فيتحول الاختلاف الفقهي إلى حدود عقائدية، ويشرعن الاستبداد بخطاب "الطاعة" و"لفتنة". كما يقدم فشل النخبة الواعية ذريعة لإقناع المجتمع بعدم وجود بديل، ويصنع اليأس كسياسة ممنهجة تفرغ أي مشروع إصلاحي من معناه قبل أن يولد.

وهكذا يدور المجتمع في حلقة مفرغة تتجلى في أزمة نخبة تنتج الفشل، وسياسة تستثمر الفشل لتكريس الانقسام، وانقسام يعيد إنتاج نخبة أكثر عزلة أو انحرافا.

ولا سبيل إلى كسر هذه الدائرة إلا ببناء نخبة جديدة، واعية ومتقنة، تنزل من برجها النظري إلى أرض الواقع، وتفهم تعقيدات المجتمع الموريتاني، وتتحدث لغته. نخبة تنخرط في مشاريع تربوية وتنموية محلية، تثبت جدوى الفكر العملي وتعيد بناء الثقة. نخبة تجرؤ على كسر ثلاثية الدمار بالاعتراف الصريح بالمرض، وتحرير الدين من التوظيف السياسي، وبناء مجتمع قائم على الكفاءة والمواطنة. نخبة تفضح آليات الاستغلال السياسي، وتبني تحالفات جديدة مع القوى الاجتماعية الحية، وتقدم نماذج عملية مصغرة تثبت أن البديل ممكن وقيد التشكل.

إن طريق الخلاص يبدأ بتحرير العقل من الخرافة والاستغلال، وتحرير الدين من الاختزال والتسييس، وبناء نخبة تربط القول بالفعل، والتشخيص بالبرنامج. فالجرأة على مواجهة الحقيقة المرة، مهما كانت قاسية، هي الخطوة الأولى نحو استخلاف حقيقي، يكون فيه التنوير شرط النهضة، والوعي بوابة التحرر من كل أشكال التبعية

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف