
محمود الجاف
في العتمة التي لا تُرى، لا تتحرك الخيوط وحدها، بل تُقاد القلوب بصمتٍ هادئ، وتُعاد صياغة القناعات قبل أن نمتلك القدرة على السؤال. نظن أننا نختار الطريق، لكننا في الحقيقة نكتشف لاحقًا أننا وُضعنا فيه منذ البداية، في مسارٍ مُهندَس بعناية، ومزيّن بأحلامٍ ليست من ملامحنا.
نكبر، وتكبر أعيننا، لكن الرؤية لا تتسع بالضرورة. نرى اللمعان من حولنا، لا الحقيقة؛ نسمع الصوت الأعلى، لا الأصدق. وحين نظن أننا نمشي بإرادتنا، نكون قد اعتدنا الاتجاه حتى صار يشبهنا. تُزرع الأفكار قبل أن نُتقن الشك، ثم تُصبح جزءًا منّا دون أن ننتبه. وعندما نقتنع، تمضي الخطوات مطمئنة، حتى لو كانت نحو تعبها، وتصبح الأثقال التي نحملها أشبه بواجبٍ مقدّس، لا يُسأل عنه. هناك من لا يحتاج أن يقيد الأجساد، يكفيه أن يُحكم ترتيب العقول؛ فإذا استقرت الفكرة، تبعتها الأقدام بلا مقاومة.
وفي الأعلى، حيث يُدار الصمت بعناية، تُبنى القوة لا من حجارة، بل من أعمارٍ تُستهلك بهدوء، ومن جهدٍ لا يرفع رأسه ليسأل. يُصبح التعب عادة، وتتحول المعاناة إلى تفسير جاهز للحياة، ويُربّى الإنسان على أن الصبر قبول، لا وعي.
والمأساة ليست في الألم وحده، بل في لحظة التآلف معه، حين يتوقف عن كونه سؤالًا ويصبح طبيعة. وحينها فقط، يبدأ الشرخ الحقيقي . أن يرى الإنسان الطريق لا كما اعتقده، بل كما هو، وأن يدرك متأخرًا أنه لم يكن غافلًا عن المسار فقط، بل عن حقيقة أنه كان يُصنع وهو يمشي.













