
فائزة الفدعم
كانت تلك الأيام، بشهورها وسنينها، محفورة في الذاكرة لا يمكن أن تُنسى. حين انتقلنا من دارنا المقابلة لجامع الشابندر إلى المنطقة القريبة من العنافصة، شعرتُ أنني اقتُلعت من جذوري . مضت سنوات الخمسينات ثقيلة، ورغم كل محاولات التأقلم، بقي الحنين إلى بيتنا القديم يسكنني بلا هوادة.
كان لنا بستان قرب مقبرة اليهود يُعرف بـ"بستان عناية"، يعمل فيه عمال وفلاحون. وكان أقربهم إلى والدي ناطور اسمه فرمان، رجل بسيط ضعيف البصر، لا يرى جيدًا، لكن قلبه كان عامرًا بالمحبة. كان شغفه الوحيد قطته "مكولي". اقترح عليه والدي أن يأخذني يوميًا إلى منطقتنا القديمة، بعد أن ينهي عمله مع الأبقار ويعيدها إلى البقجة وقت الغروب . كنت أتبعه بخطوات صغيرة، أرتدي فستانًا بجيبين؛ أضع في أحدهما حصى صغيرة، وفي الآخر حلويات من الملَبّس وأصابع العروس للتسلية. وكلما تقدم فرمان، رميته بحصاة، فيلتفت يمينًا ويسارًا متحيرًا ، لا يرى أحدًا . وفي إحدى المرات تمتم مستسلمًا (والله ميستاهل الحچي وره عشرين سنة يخلف بنيه عقلها موشي) فأكاد أنفجر ضحكًا خلفه.
نصل إلى قرب دارنا القديمة، حيث يسكن بيت السيد أبو نافع، تلك العائلة المسيحية المتدينة التي بنت كنيسة( المشورة )في بعقوبة. أحببتهم وأحبوني. كانت ام نافع وبناتها نافعة جانيت وأنطوانيت يستقبلنني بحفاوة ويدعونني للدخول، لكنني كنت أصر على العودة سريعًا. فيتنهد فرمان قائلاً :
"بس القهر..."
ومع الأيام، بدأت أغير خطتي، وصرت أحب الذهاب إلى بيوت الجيران . هناك، في الدربونة، كانت بيوت تحمل وجوهًا وقصصًا لا تُنسى : بيت المحامي السيد جمال البندر، وجواره السيدة خالصة التكريتي، كاتبة في مدرستنا، وبالقرب منهما السيد أحمد كنونة لم يكن لديه اطفال وبين هذه البيوت كانت تمتد حديقة مهجورة تقريبا يصنع فيها ماء الورد وفي الجوار سكنت السيدة أم شمة، امرأة طيبة، دافئة الروح، لها ثلاثة أبناء : شمة، ونصوري، وهادي الملقب "يدي" كان اولادها يعملون في دائرة الأشغال ويقضون أكثر أوقاتهم في قصر شيرين . كانت امرأة طاعنة في السن، لكنها مفعمة بالحياة.كانت تحب التعرف علينا فجاءت يومًا إلى بيتنا تحمل بطيخة ضخمة لم أرَ مثلها قط . تعلقت بأم شمة اختي الصغيرة الست عالية، حتى صارت أم شمة جزءًا من يومها. فكانت تأخذها والدتي صباحا فتعود لتاخذها عصرا قبل مجيء اولادها من العمل كانت نقية القلب وعلى الفطرة ومن طرافتها أنها قالت يومًا لابنها إنها تشتهي الجبن للفطور ، فأحضر لها علبة جبن كرافت ووضعها تحت في السلة . فلم تجدها، وحين أخرجها لها، قالت بدهشة :
"حسبته مرهم للجروح!"
استمرت الحياة بين تلك التفاصيل الصغيرة، حتى جاء يوم تغيّر فيه كل شيء. في أحد البيوت الجميلة المقابلة لدارنا، حيث سكن المدرس المصري عبد المنعم وابنته "توتو"،صديقتي وبعدها سكنت لاحقًا عائلة أخرى من اهل بغداد لديهم ابنة جميلة جدا وفي يوم مأساوي، سمعنا صرخات مدوية... فتاة سقطت على الزجاج ، وفارقت الحياة . خيم الحزن على المكان، وغادرت العائلة، سكن بعدهم زوجة السيد مهدي الگرطاني امرأة نقية جدا ومن بعدها سكنت الست خالصة التكريتي ام هيثم لتبدأ سلسلة من التغيرات في ذلك البيت، حتى تحول لاحقًا إلى عيادات للأطباء.
ولم تكن تلك المأساة الوحيدة؛ ففي الحديقة التي كنا نلعب قربها، سقط جدار فجأة، وكان ضحيته ابن أعزاء علينا من بيت السيد برهومي ولده جليل . يومها سالت الدموع، وانكسر شيء في القلب لن يُجبر . رغم ذلك، كانت المنطقة تعج بالحياة. أملاك الوالد كانت تمتد إلى عشرة منازل ودكاكين، يسكنها أناس رائعون :
من فندق رغدان، إلى قهوة أبو ليث، ومعرض السيارات ، ومطعم خوشابا. كانت أيامًا لا تُنسى، بحلوها ومرها، أحببناها وعشنا تفاصيلها. لكن النهاية جاءت قاسية... مرسوم بتهديم كل الأملاك، وتعديل نهر خريسان. وكأن الزمن قرر أن يطوي الصفحة كلها دفعة واحدة . ومع كل ذلك، يبقى الحمد لله... الذي بنعمته تتم الصالحات، وتستمر الحكايات في الذاكرة، مهما تغيّر المكان.















