
فلاح المشعل
كشفت زيارة الأربعين هذا العام عن مزاجٍ سياسي لدى الجمهور المليوني في الطرق المؤدية إلى مرقد الإمام الحسين بن علي، وفي مدينة كربلاء، إذ شكّل العلم العراقي المساحة الأوسع بعد توزيع عشرات الآلاف من الأعلام العراقية، في خطوة بدت ردة فعل جماعية واسعة، حملت دلالة رمزية على حدثٍ أخذ يخرج من بعده الديني والتاريخي الخالص إلى فضاء الاستعراض الهوياتي.
إن رفع العلم العراقي بهذه الكثافة يمثل، في جانب منه، ردة فعل على رفع بعض الزوار الإيرانيين لعلم بلادهم. وإذا كان الزائر الإيراني، بعد أن يقطع أكثر من ألف كيلومتر سيرًا على الأقدام، يريد التعبير عن عمق ارتباطه الإيماني بالإمام الحسين وتميز تجربته، فإن هذا السلوك يختلف عن زوار الكويت وأفغانستان وباكستان وغيرها من البلدان ذات الأغلبية أو الحضور الشيعي، الذين لا يرفعون أعلام دولهم في الزيارة.
لقد شكّلت واقعة استشهاد الإمام الحسين، بما أحاط بها من أحداث دوّنها التاريخ من زوايا متعددة، حدثًا روحيًا وإسلاميًا كبيرًا، تجسّد في التضحية دفاعًا عن قيم العدل والإصلاح واستعادة مبادئ الإسلام كما كانت في عهد الرسول الكريم والخلفاء الراشدين، واستجابةً لرسائل أهل العراق. وهذه مقاربة يلتقي حولها محبو أهل البيت، وتحظى باحترام مختلف المذاهب الإسلامية، بوصفها ذكرى يملؤها التقدير والتنزيه عن أسباب الخلاف.
وقد جعل شيعة العراق من هذه المناسبة موسمًا للحزن وتكريم الإمام الشهيد، يبدأ من عاشوراء ويمتد حتى زيارة الأربعين في العشرين من شهر صفر، حيث تُقام مجالس الذكر الحسيني، ويُستحضر معنى الإيثار والتضحية من أجل المبادئ، كما أصبحت المناسبة فضاءً للشعر والرثاء، وأنتجت أدبًا تراجيديًا ترك أثرًا واضحًا في الثقافة العربية، بما يحمله من قيم تربوية وأخلاقية.
لماذا تُرفع الأعلام السياسية؟
وفقًا لمفاهيم الدولة الحديثة، يُعدّ العلم رمزًا للدولة وأحد أبرز مظاهر سيادتها، ويُرفع عادةً في المناسبات الوطنية والأحداث السيادية أو للدلالة على حدود الدولة. أما زيارة الإمام الحسين، فهي لدى المسلمين، ولا سيما الشيعة، طقسٌ ديني وروحي، الأمر الذي يثير سؤالًا مشروعًا: لماذا تُرفع في فضائها الأعلام الرسمية للدول؟
لسنوات طويلة كانت مراسم الزيارة تمرّ من دون أي حضور سياسي أو وطني للأعلام، حتى بدأت في السنوات الأخيرة ظاهرة رفع الأعلام، فتحولت إلى عنصر يحمل دلالات سياسية، ويستدعي في المقابل ردود فعل مماثلة.
وقد بدأ بعض الموالين سياسيًا لإيران، من أحزاب وكيانات عراقية، برفع العلم الإيراني تعبيرًا عن الانتماء السياسي لإيران، وما يستتبعه، في نظرهم، من ولاءٍ لمبدأ ولاية الفقيه بوصفه المرجعية السياسية والدينية للدولة، كما كرست مليارات الدنانير العراقية لطبع العلم الإيراني في الزيارة الأخيرة، حسب بعض المصادر!
ومع هذا التحول في المسار الفكري والسياسي، اكتسب الحدث الديني بعدًا سياسيًا واضحًا، يتقاطع مع فكرة تصدير الثورة التي تبنتها الثورة الإيرانية منذ عام 1979.
إن تكريس البعد السياسي في المناسبة الدينية أوجد ردود فعل مضادة، انتقلت من المجال الوطني إلى الفضاء الديني والطقوسي، فأصبحت مساحة الأعلام تعبيرًا عن صراع سياسي، وعن تمايز بين اتجاهين: اتجاه يرتبط بمرجعية النجف الأشرف التي تحرص على إبعاد المناسبة عن التوظيف السياسي، باستثناء ما يصدر عفويًا من بعض المواكب من انتقادات للمسؤولين، واتجاه آخر تمثله بعض الجماعات الإيرانية أو الموالية لإيران التي ترفع شعارات وهتافات ذات مضامين سياسية وتحريضية.
إن اتساع حضور العلم العراقي في كربلاء، في سابقة لافتة، يقرأه كثيرون بوصفه تأكيدًا على عراقية المدينة، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن الزيارة أخذت تدخل في دائرة صراع الرموز السياسية، مبتعدةً عن سياقها الطبيعي بوصفها استذكارًا مهيبًا لأحد أئمة آل بيت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا، فإن المشهد الكربلائي يعكس مؤشرات على تنافس سياسي عراقي ـ إيراني، بات يتمظهر من خلال مساحة انتشار الأعلام.
لكن الأمر الأكثر أهمية يتمثل في سطحية هذا الصراع؛ إذ يغيب جوهر رسالة الإمام الحسين، الذي ثار ضد الاستبداد والظلم دفاعًا عن الحق والكرامة، بينما ينشغل المتنافسون اليوم بمساحات انتشار الأعلام، تاركين خلفهم سلطات سياسية تُتهم، وفق معايير الدولة الحديثة وحقوق الإنسان، بالفساد والاستبداد، وهي القيم ذاتها التي خرج الإمام الحسين لمواجهتها قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا.
*ضوابط لا بد منها؟
من المهم الإشارة إلى أن مساحة العلم الإيراني، قياسًا بأكثر من مليون زائر إيراني، تبقى محدودة، إلا أن رفعه من قبل أقلية يثير حساسية وطنية لدى شريحة واسعة من العراقيين، بسبب ما ارتبط به من مواقف وشعارات سياسية.
لذلك، تبدو الحاجة قائمة إلى أن تضع الدولة ضوابط واضحة للزيارات الدينية، ولا سيما زيارة الأربعين، بما يحفظ قدسيتها ويجنبها الاستقطاب السياسي. ومن بين هذه الضوابط: الاكتفاء برفع العلم العراقي في المواقع الرسمية والمركزية، ومنع رفع أعلام الدول أو الأحزاب، وعدم السماح بترديد الشعارات السياسية أو الهتافات التحريضية، بما يضمن بقاء المناسبة في إطارها الديني والروحي الجامع.
كاتب عراقي.















