بعد حل «قسد»: هل آن الأوان لمراجعة يسارية للقضية الكردية؟

جمعة, 08/28/2026 - 07:36

 

دعوة إلى دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية بأفق اشتراكي.

رزكار عقراوي

مشهد قصر الشعب، نهاية تجربة وبداية سؤال

في الخامس والعشرين من آب/أغسطس 2026، أعلن مظلوم عبدي من قصر الشعب في دمشق انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» وحلها كقوة عسكرية مستقلة، وحل الإدارة الذاتية والتشكيلات التابعة لها واندماجها في مؤسسات الدولة السورية. جاء الإعلان بعد العملية العسكرية الواسعة في كانون الثاني/يناير 2026، التي خسرت فيها «قسد» مناطق واسعة من نفوذها، وانتهت بـاتفاق شامل على الدمج.

وأرى في ذلك أمراً إيجابياً، لأنه يقلل احتمالات حروب قومية مدمرة يكون الكادحون من مختلف القوميات أول ضحاياها. غير أن الاتفاقات المتتالية، من آذار/مارس 2025 إلى إعلان الحل، خلت من أي بند بشأن ما نناضل من أجله كقوى يسارية: حقوق المرأة، وعلمانية الدولة، ووقف الخصخصة، وحماية القطاع العام، وحقوق شغيلات وشغيلة اليد والفكر، والانتخابات الديمقراطية لجميع المسؤولين.

نموذج «قسد» الذي قدمه جزء واسع من اليسار الكردي والعالمي بوصفه ثورة اجتماعية ونسوية وديمقراطية قاعدية، انتهى بقرار فوقي أعلن من قصر رئاسي، دون استفتاء شعبي أو قرار من الكومونات التي قُدّمت للعالم بوصفها صاحبة السيادة الفعلية. والولايات المتحدة، التي كانت الداعم العسكري والسياسي الأساسي لـ«قسد» وانخرطت في الوقت نفسه في دعم مسار السلطة الجديدة في دمشق، كانت طرفاً أساسياً في تحديد مسار الحرب ثم مسار الحل. وهذا وحده يكشف أين كان يتموضع القرار، وحدود الرهان على القوى الرأسمالية الكبرى.

واللافت هو توزيع الأثمان. فقد استوعبت الدولة الجديدة قسماً من النخبة العسكرية والحزبية في «قسد»، رغم طابعها الطبقي والديني والاستبدادي، إذ عُيّن العديد من قادتها في مناصب عسكرية وإدارية فأصبحوا جزءاً من بنيتها الطبقية، فيما بقيت شغيلات وشغيلة اليد والفكر من الكرد والعرب والسريان أمام المشكلات ذاتها التي سبقت الحرب وتضاعفت بعدها.

وفي موازاة ذلك صدرت مراسيم اعترفت بالكرد جزءاً أساسياً من الشعب السوري، وباللغة الكردية وبنوروز عيداً وطنياً، وأُنهيت آثار إحصاء الحسكة الجائر لعام 1962. وهذه مكاسب حقيقية ناضلت من أجلها أجيال، غير أن الاعتراف جاء بعد حسم موازين القوى لا قبله، وما يُمنح بمرسوم يمكن أن يُسحب بمرسوم مضاد. والمطلوب تحويلها إلى نصوص دستورية ملزمة ضمن انتقال سياسي شامل. ويتضاعف هذا التحذير في ظل سلطة لم تقدم ضمانات ملزمة حول علمانية الدولة أو حقوق المرأة أو الحريات العامة، وسجلها في القمع والانتهاكات يثير مخاوف من استبداد جديد بغطاء ديني.

ما يحسب في السجل وما لا يطوى منه

الموضوعية تقتضي تسجيل الجوانب الإيجابية. ففي إقليم كردستان العراق استُضيفت أعداد كبيرة من النازحين وحُميت أقليات من خطر الإبادة خلال صعود داعش، وفي شمال وشرق سوريا أدت «قسد» دوراً فعالاً في محاربة داعش ودفعت ثمناً باهظاً من الأرواح، وتحقق تقدم نسبي في مشاركة المرأة نادر في سياق المنطقة.

وفي المقابل، وثقت المنظمات الحقوقية الدولية في الإقليم انتهاكات كبيرة ومنهجية: اعتقال صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وتعذيبهم، وقمع التظاهرات ضد البطالة والفساد وانقطاع الرواتب بالرصاص الحي أحياناً، وثغرات كبيرة في حماية النساء من العنف، إلى جانب انتهاكات أوسع موثقة سنة بعد أخرى.

وفي شمال وشرق سوريا وثقت انتهاكات واسعة ارتكبتها «قسد»: تجنيد الأطفال دون الثامنة عشرة خلافاً لتعهداتها المتكررة، والاعتقال التعسفي والتعذيب في مراكز الاحتجاز، وقمع الاحتجاجات، واتهامات بانتهاكات وتهجير بحق سكان عرب. ولم تُغلق هذه الملفات بالاندماج، فـالتبعات الإنسانية للقتال قائمة، ولجنة التحقيق الدولية تبقى الجهة المخوّلة بتحديد المسؤوليات.

التناقض بين الخطاب والممارسة، والرهان على امريكا

يواجه اليسار، محلياً كان أم عالمياً، تحدياً معقداً: كيف يدافع عن حقوق الشعب الكردي المشروعة مع الحفاظ على معايير نقدية ثابتة تجاه جميع السلطات دون استثناء؟ التضامن مع الشعوب المضطهدة موقف يساري مبدئي، لكنه لا يقوم على الاصطفاف غير المشروط، ولا بد أن يميز بين دعم حقوق الشعوب في الكرامة وحق تقرير المصير، وبين تأييد مطلق لأحزاب قومية ثبت تورطها في انتهاكات موثقة، مارست الاغتيالات والاعتقال التعسفي والتعذيب بحق معارضيها، وكثير منهم من صفوف اليسار.

انجذب جزء كبير من اليسار إلى «الكونفدرالية الديمقراطية» ونظريات عبد الله أوجلان التي تبنتها الإدارة الذاتية كبديل عن الدولة الأمة. لكن الممارسة كشفت مفارقة حادة: بينما كان الحديث يدور عن الكومونات والديمقراطية القاعدية، تركز القرار العسكري والمالي في يد كوادر غير منتخبة تتحرك بعقلية مركزية صارمة. أما استخدام مفاهيم البيئة والنسوية واللا دولة كغطاء خطابي أمام الرأي العام الغربي، لسلطة تتعاون وثيقاً مع المؤسسات الأمنية الأمريكية وتتلقى تمويلاً منها، فبرأيي أنه يفرغ الفكر اليساري من محتواه.

فاعتماد حركات تقدم نفسها ثورية على الإمكانيات المالية والعسكرية الأمريكية ليس مسألة تكتيكية عابرة، إذ يجعل بقاءها مرتبطاً باستمرار الدعم الدولي أكثر من ارتباطه بحاضنتها الجماهيرية، وعند تغير أولويات الداعم تنكشف الهشاشة دفعة واحدة. وهذا ما حصل حرفياً: رفعت واشنطن العقوبات عن دمشق واستقبلت أحمد الشرع في البيت الأبيض عام 2025، ثم جاءت حملة 2026 بتفاهمات أمريكية تركية. وأعلن المبعوث الأمريكي توم برّاك أن بلاده لا تؤيد الفيدرالية وأن الغرض الأصلي من تلك القوات انتهى عملياً، فيما رفض مبعوث أمريكي سابق وصف ما جرى بالخيانة، موضحاً أن واشنطن نظرت دائماً إلى هذا التحالف بوصفه مؤقتاً وتكتيكياً وتبادلياً.

وهذا ليس استنتاجاً أطرحه اليوم بعد انتهاء تجربة «قسد»، فقد كتبت في هذا الاتجاه منذ سنوات.

ففي مقال نشرته عام 2018، كتبت أن تجربة اليسار القومي الكردي في سوريا، مهما تطورت، لن تتجاوز إصلاحات شبيهة بتجارب اليسار القومي التي تحولت جميعها إلى أنظمة دكتاتورية فاسدة. وحذرت في المقال نفسه من طبيعة التحالف مع الولايات المتحدة، وكتبت:

«أمريكا معروفة بالتخلي عن حلفائها عند انتهاء مهماتهم، أو عندما تتعارض مع أجندتها، ولدينا أمثلة كثيرة أخرى، ومصالحها الإستراتيجية مع تركيا هي الأهم والأساس، والمسألة قضية وقت لا أكثر».

طغم قومية متشابهة بلغات مختلفة

سبق أن أشرت في نصوص سابقة إلى أنه لا خلافات جوهرية بين الطغم القومية الحاكمة، في إقليم كردستان العراق أو تلك التي كانت تحكم شمال وشرق سوريا، ولا بينها وبين الأنظمة والبرجوازيات القومية في بغداد أو دمشق أو أنقرة. فالخلاف بينها يدور على الحصص والنفوذ والموارد، لا على طبيعة الحكم ولا على مصالح الطبقات الكادحة، وهي تشترك جميعاً وبنسب مختلفة في إفقار الجماهير وقمع الحريات.

من هنا، لا يكفي أن يعلن اليسار تضامنه مع «الشعب الكردي» بشكل مجرد، فالشعوب ليست كتلاً متجانسة، وإنما تشكيلات طبقية تتقاطع فيها التناقضات القومية مع الطبقية. على اليسار أن يحسم موقفه: مع أي طبقة من الشعب الكردي يقف؟ مع برجوازية ريعية ونخب حزبية تحتكر السلطة والثروة، أم مع شغيلات وشغيلة اليد والفكر من الكرد والعرب والتركمان وسائر القوميات، الذين يعانون الاستبداد والفقر والبطالة، ويدفعون وحدهم ثمن الحروب القومية بدمائهم ومستقبل أبنائهم؟

وهذه المراجعة لا تخص القوميين الكرد وحدهم، فقد دافع جزء من اليسار في العالم العربي لسنوات عن أنظمة دكتاتورية، منها الأنظمة البعثية في العراق وسوريا. والمطلوب ليس التخلي عن التضامن مع الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، وإنما إعادة النظر في علاقة اليسار بالأحزاب والأنظمة القومية الاستبدادية، وتحرير التضامن من التبرير غير النقدي للانتهاكات أياً كانت هوية مرتكبها.

البديل: دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية

مع قناعتي الكاملة بحق تقرير المصير لكافة الشعوب المضطهدة، فإن الوقائع الحالية لا تتيح تشكيل دولة قومية كردية مستقلة في المدى المنظور، ولا يوجد دعم دولي جدي لهذا المسار. وقد قدمت أحداث 2026 برهاناً واضحاً، حين انتهى عملياً كيان شبه دولتي مدعوم من أكبر قوة إمبريالية في العالم خلال أشهر، بمجرد أن تبدلت حسابات مموليه. ومن الممكن أن تنعكس هذه التطورات على إقليم كردستان العراق أيضاً، وفقاً لتغير المصالح الأمريكية وموازين القوى.

والبديل، في نظري، لا يتعلق بالقضية الكردية وحدها، وإنما يمثل إطاراً لمعالجة مختلف الإشكالات القومية والدينية في المنطقة: دولة المواطنة الديمقراطية، القائمة على دستور يستند إلى مواثيق حقوق الإنسان، وتحييد القومية والدين عن الدولة، وضمان المساواة القومية والثقافية لجميع المكونات، ونظام فيدرالي لامركزي بأسس جغرافية وإدارية عادلة يتيح حكماً ذاتياً واسعاً ضمن دولة موحدة، وانتخابات نزيهة واستقلال للقضاء وحرية للصحافة والتنظيم النقابي، وقطيعة كاملة مع الاستبداد وتوريث السلطة والحكم العائلي. ولا تكتمل من دون عدالة اجتماعية تحمي القطاع العام وترفض النيوليبرالية المفقرة للجماهير.

القضية الكردية قضية عادلة تستحق تضامناً حقيقياً ومبدئياً. لكن التضامن الحقيقي لا يعني منح الأحزاب والنخب القومية حصانة سياسية أو أخلاقية، وإنما دعم نضال الشعب الكردي وسائر شعوب المنطقة من أجل حقوقها وحرياتها وكرامتها وعدالتها الاجتماعية. ومن هنا، فإن نقد «قسد» ليس نقداً لحقوق الشعب الكردي، ونقد الأحزاب الحاكمة في الإقليم ليس نقداً للقضية الكردية، ورفض الدولة القومية ليس رفضاً للهوية والحقوق القومية. إنه موقف يساري يدعو إلى تحرير التضامن القومي من التبعية للنخب، وربط التحرر القومي بالنضال من أجل الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وبوحدة نضال شغيلات وشغيلة اليد والفكر من جميع القوميات.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف