الخيار الأفضل للتعاطي مع ملف داعش السوري

سبت, 02/14/2026 - 12:18

 

 

عادل الجبوري*

   اكثر من مسؤول عراقي رفيع المستوى، بدءا من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، تحدث عن ابعاد نقل الاف السجناء الدواعش من السجون السورية الى العراق، بعد التطورات الدراماتيكية الأخيرة في المشهد السوري، وتحديدا في الشمال الشرقي من البلاد، ولم تكف تلك الاحاديث والتوضيحات في انهاء السجال والجدل، وتبديد المخاوف والهواجس لدى بعض القوى السياسية والنخب المجتمعية، التي تتمحور حول حقيقة ان التحدي الأكبر والأخطر الذي يواجه العراق، بعد انحسار نفوذ قوات سوريا الديمقراطية(قسد)، وخروج العديد من السجون الذي تضم الاف الإرهابيين عن سيطرتها، يتمثل في إمكانية استعادة بعض او اغلب هؤلاء الإرهابيين حريتهم، وإعادة تنظيم صفوفهم، واستعادة نشاطهم.

  وقد تكون عملية نقل سبعة الاف إرهابي داعشي كانوا قابعين في السجون السورية الى العراق، خطوة من بين جملة خطوات وإجراءات لمنع حدوث السيناريوهات السيئة والخطيرة والمهددة للامن القومي العراقي، بيد ان الآراء والتقييمات لابعاد وايجابيات وسلبيات مثل هذه الخطوة، قد تباينت الى حد كبير.

  فهناك رؤية ايجابية، استندت على حقيقة ان ترك تلك الأعداد الكبيرة تحت سيطرة وتحكم السلطات السورية الحاكمة، لن يكون خيارا جيدا، لان النظام الحاكم في دمشق حاليا، ضعيف وغير قادر على الامساك بزمام الأمور في عموم الجغرافية السورية بإحكام، في ظل وجود حالة رفض واسعة له، وخصوصا من قبل مكونات الأقليات، كالعلويين، والمسيحيين، والدروز، والاكراد، عكستها خلال الشهور الماضية، مواجهات وصدامات وتصفيات وتفجيرات، لم تختلف في جانب كبير منها عن أساليب تنظيم داعش الدموية الاجرامية، وهو أي النظام، عرضة في ظل هذه الظروف والتحديات،  للانهيار والسقوط في أي وقت.

    وتستند هذه الرؤية الإيجابية الى حجة أخرى، تتمثل في ان هناك جماعات وفصائل تابعة لجبهة النصرة التي كان يتزعمها الرئيس السوري الحالي، احمد الشرع (ابو محمد الجولاني)، تعد جزءا من منظومة إدارة الدولة السورية، وانها في ذات الوقت مازالت تتبنى النهج التكفيري الاجرامي، وتتعاطف مع العناصر الإرهابية، ولايستبعد ان تعمل على اطلاق سراح الإرهابيين في حال ظلوا قابعين في السجون السورية، لتقوم بتأهيلهم وتسويقهم وتصديرهم الى اماكن أخرى، لتعاد بذلك دورة الإرهاب التكفيري في العراق وغيره مرة أخرى.

   وتتعزز الرؤية الإيجابية عبر فرضية ان قيام الحكومة العراقية بوضع اليد على الاف الإرهابيين من العراقيين وغير العراقيين، وبمستويات مختلفة، واخضاعهم للتحقيقات والمحاكمات، فضلا عن توفير قاعدة البيانات المتكاملة عنهم، من شأنه ان يختصر ويوفر الكثير من الوقت والجهد والمال المطلوب لملاحقتهم، ووضع الخطط، وتوفير الإمكانات المطلوبة لملاحقتهم فيما لو فروا من السجون السورية، والبحث في كيفية درء خطرهم واجرامهم عن البلاد، علما ان هناك من بين السبعة الاف سجين إرهابي، ممن يفترض نقلهم الى سجن "سوسة" في السليمانية، وسجن "كوبر" في بغداد، وسجن "الحوت" في ذي قار، عناصر قيادية، مسؤولة عن التخطيط والتنفيذ لعمليات إرهابية كبيرة، حصدت أرواح عشرات او مئات المواطنين الابرياء في أعوام سابقة.

   وفي الوقت الذي يشكك البعض، ويقول ان الولايات المتحدة الأميركية، أرغمت الحكومة العراقية على القبول بنقل هؤلاء الإرهابيين الى العراق، تؤكد قيادات وشخصيات سياسية مختلفة، وتحديدا في الاطار التنسيقي، صاحب الكتلة البرلمانية الأكبر، "ان قرار الحكومة باستقبال الارهابيين المعتقلين في سوريا هو قرار عراقي، تم بعد دراسات ونقاشات مستفيضة، وهو مبني على رؤية استباقية لحماية البلد والمنطقة من خطر الإرهاب والإرهابيين".

   بيد ان أصحاب الرؤية السلبية، يرون إن استقبال عدد كبير، ومن بينهم قيادات إجرامية خطيرة، يرتب أعباء مالية وامنية كبيرة على الدولة، ناهيك عن ان احتمالات هروب او تهريب بعض من هؤلاء الإرهابيين، تبقى واردة، وفيما لو حصلت، فإن ذلك يعني فيما يعنيه، تعريض امن الوطن والمواطنين لخطر جدي كبير. خصوصا وان اغلب تلك العناصر الإرهابية، ربما يمكن ان تكون لديها ارتباطات وحواضن ومواطيء قدم في الداخل العراقي.      

    لكن الامر الذي ينبغي الإشارة اليه هو ان  مختلف الوقائع والشواهد، تؤكد ان الاوضاع الأمنية والسياسية الراهنة في العراق، تختلف تماما عما كانت عليه في عام 2014 وما قبله، وان أي مخطط تخريبي داعشي، سيواجه بردود وإجراءات حازمة وقوية من قبل المنظومات الأمنية والعسكرية العراقية على اختلاف مسمياتها وعناوينها. في ذات الوقت فإن ما يجب التنبيه اليه هو ان انزلاق الأوضاع الامنية والسياسية في سوريا نحو المزيد من الفوضى والارتباك والاضطراب، يقتضي اتخاذ اقصى درجات اليقظة والتأهب، ووضع أسوا الاحتمالات بعين الاعتبار.

   وثمة من يرى ان خطر داعش على العراق من الجهة السورية، لايقل عن خطر الكيان الصهيوني، بل ان كل واحد منهما يكمل الاخر ، من حيث طبيعة المخططات، وحقيقة الاهداف والاجندات، أي ان عودة داعش، من أي باب كان، ستكون في نفع الكيان الصهيوني، وهذا ما ينبغي التحسب له كثيرا.

   وارتباطا بذلك، فأن مخاوف وهواجس البعض من ان نقل السجناء الدواعش الى العراق، سيتيح للولايات المتحدة الأميركية، بإعتبارها طرفا في انجاز هذا الملف، الدخول بدرجة اكبر للعراق، بعدما بدا انها قلصت وجودها فيه، بعد مغادرة العشرات من عناصرها لقاعدة عين الأسد وقواعد عسكرية أخرى. ولاشك انه حيثما تواجدت اميركا، ظهر الاضطراب، وعمت الفوضى، وغاب الامن والاستقرار. ولكن كل ذلك يرتبط أولا وأخيرا بمدى  تماسك المنظومة السياسية العراقية، وقوة وصوابية قراراتها، وحسن تعاطيها مع الأمور، بعيدا عن الصراعات والمناكفات الداخلية حول المكاسب والامتيازات الانية الضيقة. 

------------------------ 

*كاتب وصحافي عراقي

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف