المسرحية

ثلاثاء, 07/07/2026 - 20:04

 

محمود الجاف

أقرض رجل صديقًا له مبلغًا من المال . وكان كلما طالبه بإعادته اعتذر قائلًا :

اصبر قليلًا . ليس معي الآن. انتظر الرجل شهرًا بعد شهر وسنةً بعد اخرى حتى مضت أعوام طويلة. وفي أحد الأيام سمع أن صديقه قد أصبح من أصحاب الأموال فابتسم وقال في نفسه:

 

"الحمد لله . لقد جاء الوقت لأستعيد حقي "

 

في صباح اليوم التالي قصد بيته وطرق الباب. فتح له الرجل فابتسم صاحب الحق وألقى عليه السلام . لكن المفاجأة كانت أن المحتال لم يرد السلام . بل خرج مسرعًا وهو يصيح بفزع :

 

"أسرع . لا وقت للكلام!"

 

ارتبك الرجل، لكنه اندفع خلفه وهو يركض.

قال وهو يلهث:

 

"إلى أين؟ ماذا حدث؟ "

 

أشار الكذاب إلى السماء وهو يركض وقال :

 

"ألا ترى؟"

 

رفع الرجل رأسه، فلم يرَ شيئًا. ثم أشار إلى الأفق. ثم إلى البحر. ثم إلى الشوارع. وهو يردد:

 

"انظر جيدًا وانتبه . فالأمر أخطر مما تتصور!"

 

بدأ الخوف يتسلل إلى قلب الرجل . وأخذ يلتفت في كل اتجاه يبحث عن شيء لا يعرفه. ثم صاح:

 

"بالله عليك . ماذا ترى؟"

 

رد ربيب ابن آوى وهو يواصل الركض:

 

"اركض أولًا . وسأشرح لك عندما ننجو ."

فركض خلفه بكل ما أوتي من قوة.

 

مرت الدقائق. ثم الساعات. والخوف يزداد، والأسئلة تتكاثر، والتعب ينهش جسده. حتى نسي تمامًا لماذا جاء. وأخيرًا، توقف وهو منهك، وثيابه مبللة بالعرق. وقال بغضب:

"لقد أتعبتني . والآن أخبرني، ممَّ كنا نهرب؟"

 

ابتسم المحتال وقال:

"لا شيء."

 

ساد صمت ثقيل. ثم اقترب منه، وربت على كتفه، وقال ساخرًا:

"هل تعلم لماذا كنت متأكدًا أنك ستجري خلفي؟"

هز الرجل رأسه.

قال:

"لأن الخائف لا يسأل . بل يركض."

 

ثم استدار، وعاد إلى بيته بخطوات هادئة، وأغلق الباب خلفه.

وقف المظلوم مذهولًا. ثم أراد أن يطرق الباب من جديد ليطالب بحقه . لكنه أدرك أن عمره قد ضاع، وأنه ترك الدجال يفعل به ما يريد بينما كان يلهث خلف خوفٍ لا وجود له. ومن خلف الجدران، سمع ضحكاته، ثم صوته وهو يقول:

 

"كلما أردت أن أحتفظ بما سرقته . أشغلت أصحابه بشيءٍ آخر."

عندها فهم الحقيقة. لم يكن الهدف أن يجري . بل أن ينسى.

 

فاللصوص لا يحافظون على ما سرقوه بالقوة وحدها وإنما بإشغال أصحابها عن حقوقهم . تارة بالخوف وأخرى بالضجيج ومرةً بخلافٍ جديد، حتى يعتادوا الجري وينسوا السؤال الذي جاءوا من أجله.

 

لكن يوم يتوقفون عن الركض ويعودون إلى سؤالهم الأول:

"أين حقنا؟"

 

عندها تنتهي المسرحية ويبدأ الحساب.

 

 

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف