
ثامر الحجامي
لسنوات امتلأ المشهد السياسي في العراق بكلام عن الإصلاح ومحاربة الفاسدين، حتى أن الناس صاروا يعتقدون أن معركة النزاهة أولوية عند الجميع، وكل حكومة تأتي تلعن التي قبلها، مدعية أنها ستعلن الحرب على إرهاب الفساد، لكننا في كل مرة نسمع جعجعة ولا نرى طحينا!
مع فجر جديد من صباحات العراق المعطرة برائحة النفط وملفات الفساد الكبيرة، إستيقظ العراقيون على أصوات الدبابات في المنطقة الخضراء، معلنة صولة كبرى على الفاسدين، لكنها مثل كل مرة، أصبحت مادة للتسقيط السياسي والحرب الاعلامية، وصار المواطن لا يفرق بين الحقيقة والذكاء الاصطناعي، مع غياب الشفافية والبيانات الرسمية الحكومية.
من هنا ظهرت الحاجة الى إظهار جدية الدولة في التحول من الشعارات الى التطبيق الفعلي في مكافحة الفساد، بأن تكون المحاكمات علنية لكبار الفاسدين واظهارها الى الجمهور العراقي بكل مهنية وشفافية، بعيدا عن التصفيات السياسية والحروب الاعلامية والسلوكيات الأخرى البعيدة عن مكافحة الفساد.
فكرة فتح ملفات الفساد كلها وعرضها على الرأي العام عبر جلسات قضائية علنية، ليست فكرة من وحي الخيال بل شيء طبيعي في بلد أنهكته الصفقات المشبوهة والمال المنهوب، لكنها بدلا من أن تكون نقطة إتفاق، صارت سبباً في إنقسام واضح، وكأن بعض الأطراف تخاف من الحقيقة أكثر مما تخاف من الفساد نفسه.
فالواقع السياسي في العراق لم يعد الصراع فيه بين فاسد ونزيه بقدر ما هو بين أطراف تستخدم ملف الفساد كورقة ضغط أو لتصفية الحسابات، لذلك كلما اقترب الخطر من جهة معينة، ترتفع أصوات “الاستهداف” و“التسييس”، وإذا وصل إلى الخصوم، تتحول القضية فجأة إلى “معركة وطنية ضد الفساد”، وهذه الازدواجية لم تعد خافية على أحد.
المفارقة أن الناس نفسها بدأت تلاحظ هذا الانتقائية، سواء في إختيار الملفات أو تسريبها للإعلام، والتفاعل الشعبي والإعلامي لم يعد ثابتاً، بل يتغير حسب الجهة المقصودة، وهذا أفقد الخطاب السياسي كثيراً من مصداقيته، وأفقد فكرة محاربة الفساد جزء من مصداقيته، فالقضية لم تعد من سرق؟ بل تابع لأي جهة؟
لا أحد يطالب بأحكام جاهزة أو بتجاوز القانون، لكن الشفافية ليست رفاهية بل ضرورة حتى يعود الحد الأدنى من الثقة التي ما عادت موجودة، فإذا كان القضاء قادراً على الحسم، ما الذي يمنع أن يرى الناس كيف تُدار العدالة في أهم القضايا التي تمسهم مباشرة؟.
المواقف الحقيقية تظهر عندما تتقاطع المصالح مع المبادئ، وتتعارض الشعارات مع حسابات السلطة، فمن يؤمن فعلاً بالإصلاح يدعم كشف الحقائق بلا انتقائية، ولا يخاف من أن تُعرض الوقائع أمام الجميع، أما من يتهرب أو يهاجم، فهو عمليا يؤجل المواقف حتى تفقد قيمتها، ويحاول التشويش من أجل غياب الحقيقة.
الحقيقة التي لم تعد خافية في العراق، لكنها بحاجة لمنِ يتجرأ على قولها بصورة علنية وبكل شجاعة.















