هادي العامري يكشف عن الوجه الحقيقي لل"مقاومة" في العراق:: من قتل شبابنا في تشرين؟ ومن يحاسب القتلة؟

أربعاء, 09/02/2026 - 11:21

سمير عادل

هل كانت زلة لسان من هادي العامري، رئيس منظمة بدر وأحد أبرز قيادات الإطار التنسيقي الذي يدير دفة السلطة الطائفية في العراق، عندما أعلن أن «المقاومة هي من تصدت لفتنة تشرين»؟ أم أن الرجل كان يدرك تماماً ما يقول، ويريد من خلال هذا التصريح أن يبعث برسالة تهديد واضحة إلى موجة الاحتجاجات المتصاعدة التي تجتاح العراق من شماله إلى جنوبه، ويشارك فيها مئات الآلاف من عمال العقود، وأصحاب المهن الصحية، وطلبة الدراسات العليا، والمحاضرون، وعمال النفط، وقطاعات عمالية أخرى تطالب بسلم موحد للرواتب إضافة الى الجماهير المطالبة بتحسين ظروف حياتها وخدماتها؟

مهما كانت نية العامري، فإن ما قاله لم يكن مجرد تصريح عابر. فهو يكشف جانباً من حالة التخبط والخوف والترقب التي تعيشها السلطة الطائفية في العراق ممثلة الإسلام السياسي الشيعي، والتي تشكل المليشيات، ومن بينها منظمة بدر، إحدى ركائزها الأساسية. فالعامري، الذي تحول في الأيام الاخيرة إلى ناطق غير رسمي باسم هذه القوى المسلحة، يدرك أن النظام السياسي الذي يحمي نفوذ هذه المليشيات يواجه أوضاعاً سياسية وأمنية واقتصادية متفاقمة.

وهناك سببان رئيسيان لهذا القلق؛ الأول هو احتدام الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وما يرافقه من إعادة ترتيب للوجود العسكري الأمريكي في العراق. فأي تغيير في هذا الوجود قد يفتح الباب أمام فراغ أمني وعسكري، ويضع المليشيات أمام تحديات جديدة، خصوصاً في ظل الصراع الإقليمي المتواصل حول النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة.

أما السبب الثاني، فهو الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي تعصف بالعراق. السلطة السياسية الحاكمة، على الرغم من مرور سنوات طويلة على استحواذها على مقدرات وثروات جماهير العراق، لا تملك برنامجاً حقيقياً لمعالجة البطالة والفقر وتدهور الخدمات. وعندما تعجز السلطة عن تقديم حلول لمشكلات المجتمع، لا يبقى أمامها، في كثير من الأحيان، سوى القمع والتخويف وإعادة إنتاج الأساليب نفسها التي استخدمت في مواجهة الاحتجاجات الجماهيرية السابقة.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يطلق فيها العامري تصريحات تكشف عمق المأزق الذي تعيشه القوى الحاكمة. فقبل نحو عشر سنوات، قدم اعتذاراً علنياً للشعب العراقي عما وصفه بالفشل والفساد وسوء إدارة السلطة، في وقت كانت فيه جماعته جزءاً أساسياً من منظومة الحكم التي أنتجت الفساد والنهب المنظم وفشل مؤسسات الدولة. ولم يكن ذلك الاعتذار، بطبيعة الحال، تعبيراً عن صحوة ضمير متأخرة. فالعامري وجماعته كانوا جزءاً من العملية السياسية ومهدت  الاحتلال الأمريكي للعراق، وشاركوا في تثبيت النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003، واستفادوا من مواقع السلطة والنفوذ التي وفرها هذا النظام.

وكانت تلك التصريحات، في جوهرها، انعكاساً لحالة اليأس والتخبط التي وصلت إليها السلطة السياسية في ذلك الوقت. بل إن نوري المالكي نفسه قال في مقابلة تلفزيونية إن القوى التي حكمت العراق قد فشلت، وإن عليها أن تعترف بمسؤوليتها عن هذا الفشل. لكن يبدو أن الاعتراف بالفشل شيء، والتخلي عن السلطة والثروة والنفوذ شيء آخر تماماً. فهذه القوى سرعان ما تنسى اعتذاراتها، وتعود إلى ممارسة السياسة نفسها التي أنتجت الأزمات ذاتها. وكأنما ينطبق عليها المثل القائل: «كلام الليل يمحوه النهار». فحلاوة السلطة والثروة قادرة على تبديد أكثر الاعتذارات صخباً وتمحي سكرات الليل.

لكن الأهم في تصريح العامري الأخير هو أنه يقدم اعترافاً واضحاً بهوية ما يسمى بـ«المقاومة» التي سماها آنذاك عادل عبد المهدي رئيس الحكومة التي اقالتها انتفاضة تشرين التي واجهتها "المقاومة" كما اعترف العامري. فعندما يقول إن «المقاومة» هي التي تصدت لاحتجاجات تشرين، فإنه يزيل الغطاء عن الماهية الحقيقية للمليشيات المسلحة. 

إن المليشيات التي اختارت لنفسها عنوان «المقاومة» لم تكن، في لحظة تشرين، تقف في مواجهة احتلال أو قوة خارجية، او القواعد التركية التي تشترط خروجها  هذه الايم لتسليم سلاحها، بل كانت جزءاً من منظومة الدفاع عن سلطة الإسلام السياسي الشيعي، وهي السلطة التي واجهت الشباب المنتفضين بالرصاص و القمع والاختطاف والاغتيالات، لأنهم تجرؤوا على المطالبة بمساحة جغرافية سموها بالوطن تتوفر فيها فرصة عمل، ورغيف خبز، وحياة كريمة.

إن تصريح العامري لا يكشف فقط طبيعة «المقاومة»، بل يثير أيضاً سؤالاً مباشراً بشأن الجرائم التي ارتكبت بحق المتظاهرين. فقد مرت سنوات على انتفاضة تشرين، وتعاقبت حكومات عبد المهدي والكاظمي والسوداني، من دون أن تتحقق العدالة الكاملة لعشرات ومئات الضحايا الذين سقطوا خلال الاحتجاجات بالرغم من وعودها بالكشف عن المتورطين بقتل المتظاهرين. والسبب ليس غامضاً. فالقوى المسلحة التي اتُّهمت بممارسة العنف ضد المتظاهرين ليست قوى هامشية أو خارجة عن النظام السياسي، بل هي جزء من البنية التي تحمي هذا النظام وتدعمه، وتشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في رسم موازين القوة داخله.

من هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يوجَّه إلى هادي العامري وحده، بل إلى مؤسسات الدولة العراقية، وفي مقدمتها مجلس القضاء الأعلى ورئيسه، السيد فائق زيدان: هل ستمر تصريحات العامري مرور الكرام؟

إذا كان الرجل قد أعلن صراحة أن «المقاومة» هي التي تصدت لانتفاضة تشرين، أفلا يستحق هذا التصريح التحقيق في طبيعة ذلك «التصدي»؟ ومن هم الذين قاموا به؟ وبأي وسائل؟ ومن يتحمل المسؤولية عن دماء الشباب الذين قُتلوا أو اختُطفوا أو أصيبوا خلال الاحتجاجات؟ أم أن بعض القوى المسلحة تقع عملياً فوق القانون؟ ون الشباب الذين قُتلوا في ساحات الاحتجاج لا أصحاب لهم، ولا عائلات تطالب بالحقيقة، ولا دولة يفترض أن تحاسب من أراق دماءهم!!!

 

 

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف