
الكاتب/اسعد عبدالله عبدعلي
طريق التنمية يتجاوز كونه مجرد خطوط حديدية وهياكل إسمنتية عملاقة, تشق الأراضي العراقية من جنوبها عند ميناء الفاو وحتى حدودها الشمالية مع تركيا؛ فهو تجسيد حي لإعادة احياء الهوية التاريخية والحضارية لأرض طالما كانت ملتقىً لطرق التجارة العالمية, ومهداً للتواصل الإنساني, لا مسرحاً للحروب والصراعات. وحين تتلاقى هذه الإرادة العراقية الصلبة مع رغبة الجانب التركي, في بناء تكامل استراتيجي حقيقي، يتحول هذا الممر إلى شريان ضارب بالحياة، يعيد هندسة الاقتصاديات الإقليمية, على قواعد المصالح المشتركة والثقة المتبادلة.
غير أن تشييد البنى التحتية الصلبة لا يقيم استقرار أمن, ما لم يرافقْه بناء موازي للمفاهيم السليمة. إن الشراكة الحقيقية والمستدامة ليست ترفاً سياسياً للمناورة الدبلوماسية، بل هي حاجة وجودية ملحة تقتضي التخلي الفوري عن عقلية الصراع الأعمى على النفوذ، لصالح منطق الاعتراف الموضوعي باحتياجات الطرف الآخر. فالعراق اليوم يواجه تحديات وجودية تتمثل في أزمة العطش وتبخر موارده المائية، وهو بحاجة ماسة لشريك إقليمي يدرك بعمق أن أمن العراق المائي والبيئي هو الحجر الأساس لاستقرار المنطقة بأسرها.
إن تحويل مصادر البقاء والوجود الأساسية، كالماء والأرض، إلى وسائل للضغط السياسي والصراع الإقليمي يعد انحرافاً خطيراً عن مسار الجيرة السليمة؛ فالمفترض أن تكون هذه العناصر المائية والأرضية جسوراً للمحبة ومقومات للتكامل الاستراتيجي لا أدوات للتناحر. يفرض التراجع الهائل في مناسيب المياه وتوحش التغير المناخي خطراً وجودياً, يطرق أبواب الجميع بلا استثناء، وهو ما يحتم على العقل السياسي أن يستيقظ من غفلته ليدرك أن الأزمات البيئية لا تعترف بالحدود المصطنعة. هذا التهديد المشترك يجب أن يتحول إلى قوة دفع حقيقية نحو تعاون عضوي مؤسسي, يعيد الاعتبار لحق الحياة، وينهي سياسات الاستحواذ والتهميش، لتبقَى الجيرة العميقة مصدراً للأمان المشترك لا بؤرة للصراع المستدام.
إننا نقف اليوم على حافة محطة تاريخية فاصلة تحدد مصير الأجيال القادمة، حيث يتأرجح مسار البلدين بين خيارين لا ثالث لهما؛ إما الركون إلى سياسات عقيمة تقوم على إدارة الأزمات بأساليب ركيكة, وردود فعل مؤقتة, تبقي الجراح تنزف وتعطل أي فرصة للتعافي الحقيقي.
وإما امتلاك شجاعة استثنائية, تقطع دابر الشكوك التاريخية المتراكمة، وتفتح الباب لنهضة حضارية كبرى تعيد للعراق وتركيا مكانهما الريادي في صياغة مستقبل المنطقة.
إن عرى التاريخ والجغرافيا المشتركة أمتن بكثير من أن تستطيع رياح السياسة العابرة أو المناورات الضيقة أن تذيبها, أو تنال منها، فالوجدان الشعبي المترابط يظل دائماً أعمق وأبقى من كل الحسابات العابرة والمصالح الظرفية.














