
الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي
في باصٍ يزحفُ ببطءٍ شديدٍ نحوَ باب المعظم، كنا نتجرعُ مرارةَ الوقت في ازدحامٍ خانق؛ وسط هذا الضجر نَعَقَ أحدهم بملامح جادة ونبرةٍ يملؤها الحنين قائلاً: "في زمن صدام لم نكن نواجه هكذا ازدحامات.. لأن القيادة كانت رجولة وقوة!".
لم أتمالك نفسي، وانفجرتُ بضحكةٍ مجلجلةٍ هزت أركان الباص الساكن، حتى التفتتْ إليَّ العيون مستغربة ومترقبة... نظرتُ إلى صاحب النعيق قائلًا بصوتٍ مسموع: "بربّك.. أكان صدام رجلاً وقوياً؟! متى تجلت هذه القوة؟ أفي قتل رفاقه غدراً في قاعة الخلد؟ أم في تصفية ابن خاله عدنان خير الله غيلة؟ أم في هزائم حرب إيران العبثية، وتدمير ما تبقى من الجيش في مغامرة الكويت؟ أم تراه كان قوياً وهو يورد البلد موارد الهلاك بحصارٍ خانقٍ فرضته حماقاته ونرجسيته؟ أم كانت ذروة الرجولة في هروبه عام 2003 واختبائه في حفرةٍ ضيقةٍ كأي جرذٍ ذليل؟".
لم أكد أتمّ كلماتي حتى ضجّ الباصُ بضحكٍ جماعيٍّ عارم، وتلاشتْ هيبةُ الطاغية المدّعاة تحت أقدام الحقيقة الساخرة. أما ذلك الرجل، فقد التجمه الصمتُ لثوانٍ، ولم يتحمل نظرات السخرية التي حاصرته من كل جانب، فصاح بالسائق بقلة حيلة: "قف.. قف.. نازل!".
هذه الحادثة العابرة، بكل ما تحمله من دلالات سيكولوجية، دفعتني للتأمل في سلوك هذا الديكتاتور ومحاولة تفسيره؛ إذ لطالما ارتبطت صورة الطغاة في الوعي الشعبي المأزوم بمفاهيم مشوهة عن القوة، بينما الحقيقة تكشف أن سلوك صدام لم يكن يوماً نابعاً من شجاعةٍ حقيقية، بل من "عقدة نقص" مزمنة وتضخمٍ مرضيّ في الأنا.
· تشريح صدام
إن الحديث عن سيكولوجية صدام حسين ليس مجرد بحثٍ في دهاليز السياسة وخباياها، بل هو إبحارٌ عميق في غياهب نفسية مأزومة ومعقدة، كانت تُدار وتُحرّك بـآليات دفاعية وهجومية عنيفة تتلخص في ثلاثة محاور رئيسية لا تنفصم، شكلت معاً النواة الصلبة لكل قراراته التاريخية والدموية، وهي: عقدة النقص الأزلية، والنرجسية الخبيثة، وجنون الارتياب المرضي.
وتتجلى المحطة الأولى في "عقدة النقص الأزلية" التي نبتت جذورها في طفولته القاسية والبيئة الطاردة التي نشأ فيها؛ حيث الحرمان، وغياب الأب، وقسوة زوج الأم، والنبذ الاجتماعي في قرية صغيرة. هذه التفاصيل ولّدت لديه شعوراً مزمناً بالدونية والمهانة، مما دفعه مبكراً للبحث عن وسيلة للتعويض واثبات الذات بالقوة والتمرد، فتحولت تلك العقدة بمرور الوقت من رغبة في التحرر إلى شهوة عارمة للسيطرة والتحكم، وكأن لسان حاله يريد الانتقام من ماضيه عبر إخضاع الآخرين، فصار يرى في الخضوع التام من حوله الطريقة الوحيدة لطمس تلك الدونية الكامنة في أعماقه.
هذا التعويض العنيف تماهى سريعاً مع المحور الثاني وهو "النرجسية الخبيثة"، حيث تضخمت الأنا لديه لدرجة جعلته يرى نفسه منقذاً تاريخياً وبطلاً قومياً لا يُخطئ، يتجاوز حدود البشر العاديين ليتشبه بشخصيات التاريخ الكبرى؛ فصاغ لنفسه هالة من القداسة والبطولات الوهمية، وصارت جدران وشوارع العراق ومؤسساته مسرحاً لتمجيد ذاته من خلال الصور والنصب التذكارية والمقالات التي لا تنتهي.
وفي ظل هذه النرجسية الخبيثة، تحول الوطن بأسره إلى مجرد ملكية خاصة مكرسة لخدمة اسمه وتخليد ذكره، فصارت أرواح المواطنين وثروات البلاد مجرد وقود رخيص يُحرق في سبيل إرضاء كبريائه ونزواته الشخصية، حيث لا قيمة لأي إنسان خارج مدار طاعته وتمجيده.
أما المحور الثالث الذي حكم تصرفاته فهو "البارانويا المرضية وجنون الارتياب"؛ فالديكتاتور الذي يعيش في قمة هرم السلطة المغتصبة لا يمكنه الوثوق بأحد. كان صدام يعيش هاجساً قسرياً يرى من خلاله المؤامرات تحاك ضده في كل زاوية، وفي عيون أقرب مقربيه ورفاق دربه. هذا الارتياب المرضي لم يكن مجرد خوفٍ عابر، بل تحول إلى سلوك تنفيذي دموي؛ فكان يستبق الشك باليقين، ويسارع بقطع الرؤوس قبل أن تفكر بالتمرد، وهو ما يفسر تصفياته الدموية المتكررة لرفاق حزبه وأبناء عائلته، حيث تحول الخوف من الغدر إلى عقيدة حكم تجعل من سفك الدماء وسيلة وحيدة للاستقرار النفسي والسياسي، ليصبح هذا الثالوث السيكولوجي الأسود (النقص، والنرجسية، والارتياب) هو الشيفرة الفعلية التي فككت النسيج الاجتماعي والسياسي للعراق، وقادت البلد نحو كوارث وحروب ومغامرات انتحارية متلاحقة.
· لغز الأب المفقود:
الطفولة الشرسة والبحث عن "الذات البديلة" في طفولة صدام يكمن مفتاح جحيمه النفسي. غياب الأب (سواء بالوفاة أو الهجر) قبل ولادته، ونشأته في بيئة قاسية تحت وطأة زوج أم عنيف (حسن الإبراهيم)، خلق لديه ما يسمى في علم النفس "الرفض الأولي".
لماذا لم يذكر أباه؟ لأن الأب في ذهنه كان مرادفاً للعدم والضعف والتخلي. الصبي الذي نُبذ وعُيّر بـ "اليتيم" في قرية العوجة، قرر واعياً أو غير واعي أن يمحو اسم أبيه البيولوجي من ذاكرته، ويستعيض عنه بـ "صناعة ذات أسطورية". لم يكن هناك أب يستحق الفخر، فصنع من نفسه "الأب الرمزي" للعراق بأكمله، ليغطي على جرح الطفولة النازف.
· مجزرة قاعة الخلد (1979):
تدشين "سيكولوجية الرعب الشامل" عندما اعتلى صدام عرش السلطة رسمياً، لم يكن يبحث عن الولاء، بل كان يبحث عن "الخضوع المطلق المدفوع بالدم". في قاعة الخلد، تخلص من رفاق حزبه في طقس تصفية سريالي.
هذا السلوك يمثل ذروة "البارانويا الاستباقية". النرجسي الخبيث يرى في الشركاء مشاريع خونة محتملين. ومن خلال إجبار بقية أعضاء القيادة على إطلاق النار بأنفسهم على زملائهم، حقق صدام غايتين: كسر كبريائهم ونفوسهم، وجعلهم شركاء في الجرم فلا يجرؤ أحد على الانقلاب عليه. كانت القاعة مسرحاً لإعلان "الإله الأرضي" الذي بيده الحياة والموت.
· تصفية الأقارب (عدنان خير الله وحسين كامل):
عندما يلتهم العرش صناعه إن قتل ابن خاله عدنان خير الله (في حادث مروحية غامض) وتصفية صهره وابن عمه حسين كامل بعد عودته من الأردن، يثبت أن "القرابة" عند صدام هي مجرد امتداد لـ "الأنا" الخاصة به، فإن شكلت تهديداً، بُترت فوراً.
عدنان خير الله كان يتمتع بشعبية جارفة في الجيش، والشعبية عند الديكتاتور هي "خطيئة مميتة" تطعن في نرجسيته. أما حسين كامل، فقد مثل "الخيانة العظمى" في الدائرة اللصيقة. النرجسي لا يغفر لمن كشف عورته السياسية أو تحدى سلطته. القتل هنا ليس حقداً شخصياً بقدر ما هو آلية دفاعية لحماية العرش، فالعرش يتسع لواحد فقط، حتى لو كان الثمن دماء العائلة.
· الحرب العراقية الإيرانية (1980):
عقدة "حارس البوابة الشرقية" لم يكن الصراع مع إيران مجرد خلاف حدودي، بل كان صدام يرى في الثورة الإسلامية عام 1979 تهديداً وجودياً لكيانه، ومنافساً على زعامة المنطقة.
تحرك صدام بدافع "فوبيا الابتلاع"؛ كان يخشى أن تبتلع الثورة الإيرانية هيبته وحكمه من خلال تحريك الداخل العراقي. في المقابل، تضخمت لديه "أنا الزعامة"، فتقمص دور القائد التاريخي (سليل نبوخذ نصر وسعد بن أبي وقاص) الذي يحمي الأمة. لذا كان الهجوم عام 1980 محاولة نفسية لفرض القوة الردعية وإثبات تفوقه الشخصي على "العدو التاريخي". كما يحاول ترسيخه في عقول اتباعه.
· غزو الكويت (1990):
انتحار العظمة العسكرية بعد خروج العراق من حرب الثماني سنوات بجيش ضخم واقتصاد متهالك، شعر صدام أن "الخناق" يضيق عليه مالياً وسياسياً من قبل دول الخليج والغرب.
هنا يعاني الديكتاتور النرجسي مما يسمى "العجز عن التراجع". عندما شعر بالإهانة الاقتصادية (بسبب أسعار النفط والديون)، تملكه جنون العظمة العسكري. اعتقد أن العالم الذي سانده ضد إيران لن يجرؤ على مواجهته. غزو الكويت كان تفجيراً لـ "عقدة الحصار"، ومحاولة بائسة لإعادة الهيبة عبر التوسع والسيطرة، متجاهلاً كل الحسابات المنطقية.
· إبادة الأكراد (1989) ووحشية قمع الجنوب (1991)
تجلت سادية النظام بأبشع صورها في عمليات الأنفال وحلبجة ضد الأكراد، وفي قمع "الانتفاضة الشعبانية" في الجنوب بعد حرب الخليج.
بالنسبة لصدام، أي تمرد داخلي هو "خيانة وجودية" وازدراء لشخصه. الأكراد في الشمال وأهل الجنوب في 1991 لم يهددوا النظام سياسياً فحسب، بل حطموا صورة "الأب القائد المحبوب" التي صنعها لنفسه. العقاب الجماعي والوحشية المفرطة كانا وسيلته لإعادة ترميم نرجسيته الجريحة، وإرسال رسالة رعب مفادها: أن ثمن التفكير في الخروج عليّ هو الفناء الشامل.
· الحملة الإيمانية (1993):
قناع البراغماتية والملجأ الأخير بعد الحصار الخانق والهزيمة في الكويت، أطلق صدام "الحملة الإيمانية" وشهد المجتمع تحولاً قسرياً نحو المحافظة الدينية.
لم تكن الحملة صحوة روحية ذاتية بقدر ما كانت "مناورة سيكولوجية براغماتية". عندما تداعت شرعيته القومية والاشتراكية، لجأ إلى الشرعية الأكثر تجذراً في وجدان الشعوب: "الشرعية الدينية". خط بيده "الله أكبر" على العلم، ليقول لخصومه وشعبه: إن محاربتي هي محاربة للدين. كان هذا الهروب إلى الغيبيات ملجأً نفسياً للديكتاتور المحاصر لتبرير المعاناة كـ "ابتلاء إلهي".
· السؤال هل كان صدام سايكوباتي؟
تؤكد الدراسات السيكولوجية لشخصية صدام حسين أنه كان يمثل النموذج الصارخ لـ "النرجسية الخبيثة"، وهي متلازمة نفسية معقدة تشكّل السيكوباتية (الاضطراب المضاد للمجتمع) أحد أركانها الأساسية.
لم يكن الرجل مصاباً بالجنون أو فاقداً للأهلية، بل كان يمتلك عقلاً إجرامياً شديد اليقظة والقدرة على التخطيط والمناورة، لكنه مجردٌ تماماً من أي وازعٍ أخلاقي أو إنساني. وتجلت سيكوباتيته في انعدام تام للتعاطف أو الشعور بالذنب تجاه ضحاياه، مع ميلٍ بنيوي للسادية والتلذذ بالقسوة وفرض السيطرة المطلقة؛ حيث كان يرى في التصفية الدموية لخصومه ورفاقه، وحتى أفراد عائلته، مجرد أدوات وظيفية ضرورية لتثبيت أركان حكمه.
امتزج هذا السلوك السيكوباتي بتضخم مرضي في الأنا (النرجسية) جَعَله يرى في العراق وشعبه ومقدراته ملكية خاصة ووقوداً رخيصاً لتخليد اسمه التاريخي، مدفوعاً ببارانويا (جنون ارتياب) قهرية جعلته يرى المؤامرات في كل عين تنظر إليه، فيستبق الشك بالقتل؛ مما جعل من تركيبته النفسية أداة تدمير شاملة قادت البلد نحو كوارث وحروب ومغامرات انتحارية متلاحقة دون أي وخز للضمير.
· خاتمة: سقوط الهالة وانكشاف الحفرة
ان الرحلة الطويلة التي قطعها صدام من قاع التهميش واليتم في قرية "العوجة" إلى قمة "المهيب الركن"، لم تكن في جوهرها سيرة قائدٍ بنى مجداً لوطنه، بل كانت رحلة انتقامٍ محمومة خاضتها نفسٌ مأزومة ضد ماضيها وضد العالم بأسره. لقد أثبتت المحطات المفصلية في تاريخ العراق الحديث أن كل الحروب، والتصفيات، والمجازر، والقرارات الانتحارية التي اتخذها هذا النظام، لم تكن حسابات استراتيجية تخضع للمنطق السياسي، بل كانت مجرد تلبية لنداءات قسرية يمليها ذلك الثالوث السيكولوجي الأسود: النقص المكتوم، والنرجسية المتضخمة، والارتياب القاتل.
ومع كل الاستعراضات الدموية وبطولات المذياع الزائفة، فإن المشهد الختامي لعام 2003 يظل هو التفكيك السيكولوجي الأبلغ لهذه الشخصية. فحين انقشعت هالة القداسة، ووضعت "الأنا الزعامة" في مواجهة حتمية مع الواقع دون دروع بشرية أو أجهزة قمع، تلاشت كاريزما "القائد الملهم" المزعومة في ثوانٍ؛ ليعود الصبي القديم إلى طبيعته الأولى خائفاً، ذليلاً، يبحث عن جحرٍ يواريه تحت الأرض كأي جرذٍ يحاصره الفزع.
إن تلك الحفرة الضيقة لم تكن مجرد مخبأ عسكري، بل كانت نهاية رمزية وسيكولوجية تليق بنرجسيٍّ خبيث تساوى عنده البشر والجماد في سبيل بقائه، واختصاراً درامياً لزمنٍ كامل أُهدرت فيه مقدرات وطنٍ عظيم لخدمة مأساة رجل واحد.















