الشعبوية والرومانسية السياسية في قراءة ١٤ تموز صراع البرجوازية على هوية الدولة

اثنين, 07/13/2026 - 16:02

 

 

سمير عادل

يُعدّ يوم 14 تموز 1958 أحد أبرز الأحداث المفصلية في تاريخ المجتمع العراقي الحديث، أو بصورة أدق في تاريخ الدولة العراقية الحديثة التي تأسست عام 1921. وبغضّ النظر عمّن يصف هذا الحدث بالثورة أو بالانقلاب، فإن الجدل حوله، ولا سيما منذ انقلاب البعث في 17 تموز 1968، ما زال مستمرًا حتى اليوم.

أي بشكل اخر، إن الصراع حول ماهية الرابع عشر من تموز 1958 لم يكن يومًا مجرد خلاف على قراءة حدث تاريخي، بل هو في جوهره صراع على هوية الدولة العراقية، وعلى طبيعة المجتمع الذي يُراد بناؤه، وعلى مكانة العراق في العلاقات الإنتاج الرأسمالية العالمية، وهو صراع ما زال مستمرًا بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا.

 

مشروعان للبرجوازية الوطنية الصاعدة:

 

إن القادة العسكريين الذين نظموا الانقلاب العسكري للإطاحة بالنظام الملكي لم يكونوا منسجمين إلا حول هدف واحد، هو إخراج العراق من منطقة النفوذ الإسترليني، أو من تحت الهيمنة البريطانية. أما على الصعيد السياسي، فقد كان داخل ما سُمّي بـ"الضباط الأحرار" مشروعان سياسيان متمايزان، تيمناً وتأثراً بتنظيم "الضباط الأحرار" في مصر الذي قاد انقلاب تموز/يوليو 1952. 

وقد مثّل 14 تموز صعود جناح سياسي داخل البرجوازية العراقية تمثل القومية المحلية -الوطنية بمعناها الجغرافي-، التي تجسدت في تحالف المؤسسة العسكرية التي قادتها الى السلطة مع الحزب الشيوعي العراقي، في مقابل المشروع القومي العروبي الذي تبناه حزب البعث. وكان كلا الجناحين يخوض صراعًا على السلطة بلغ حدّ كسر العظم، فشهد العراق أحداث كركوك والموصل الدموية عام 1959الذي سماه نظام عبد الكريم قاسم -الحزب الشيوعي العراقي بحركة الشواف، التي قادها جناح عسكري متحالف مع البعث والقوميين العرب بزعامة العقيد عبد الوهاب الشواف أحد أعضاء تجمع ما سمي بالضباط الأحرار الذي قاد انقلاب 14 تموز 1958، وأخيرا نجح انقلاب 8 شباط 1963 استكمالا لحركة الشوف، وهو أكثر الانقلابات دموية في تاريخ العراق؛ إذ أطلق عليه الحزب الشيوعي العراقي اسم "شباط الأسود"، بينما سماه البعث "عروس الثورات".

وخلال فترة حكم نظام عبد الكريم قاسم (14 تموز 1958 – 8 شباط 1963)، تعرضت الطبقة العاملة لهجمة واسعة تحت شعار "صيانة الجمهورية" (انظر: دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، زكي خيري وسعاد خيري). فقد أُغلق مقر الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق، واعتُقل قادته، بعد أن أخفق عبد الكريم قاسم في استقطاب الحركة العمالية إلى مشروعه السياسي. وكان قد دعا، في خطابه بمناسبة الأول من أيار، العمال إلى التعاون مع البرجوازية، وعدم المطالبة بزيادة الأجور أو تقليص ساعات العمل، بذريعة الدفاع عن الجمهورية و"الثورة".

صحيح أن تلك المرحلة شهدت بعض المكتسبات المهمة، مثل إصدار قانون الأحوال الشخصية، وتشريع قانون الإصلاح الزراعي، وتوزيع الأراضي على عدد من الفلاحين المعدمين، إلا أن هذه الإجراءات جاءت في إطار مشروع البرجوازية الوطنية الهادف إلى بناء دولة حديثة، والتحرر من الهيمنة الاستعمارية، وتهيئة الاقتصاد العراقي للاندماج بصورة أفضل في السوق الرأسمالية العالمية، وليس انطلاقًا من مشروع اشتراكي أو عمالي.

فهذا المشروع كان بحاجة إلى ايدي عاملة رخيصة و بشروط وظروف عمل تسهل عملية تراكم رأس المال، لكنه في الوقت نفسه سعى إلى تجميد الأجور وزيادة الإنتاج تحت شعار "صيانة الجمهورية" انظر-  ثورة 14 تموز 1958 في العراق وسياسة الحزب الشيوعي العراقي لحسقيل قوجمان. ومن هنا لم يكن إغلاق الاتحاد العام لنقابات العمال عام 1958 من قبل حكومة عبد الكريم قاسم العسكرية إجراءً عابرًا، بل رسالة واضحة إلى الطبقة العاملة بأن مشروع البرجوازية الوطنية لن يسمح لها بفرض مطالبها المستقلة.

وفي المقابل، نجح قانون الأحوال الشخصية والإصلاح الزراعي في استقطاب شرائح اجتماعية واسعة إلى المشروع السياسي للبرجوازية الوطنية، لكنه في الوقت نفسه استفز القوى المنافسة، ولا سيما المرجعية الشيعية والقوى القومية العربية، التي رأت في هذه الإصلاحات تهديدًا مباشرًا لنفوذها الاجتماعي والسياسي.

وجاء انقلاب 8 شباط 1963 استكمالا لحركة الشواف الفاشلة ردًا على المشروع الأول، ليس فقط سياسيًا، بل أيضًا اجتماعيًا واقتصاديًا. المرجعية الشيعية لم تكن راضية عن قانون الأحوال الشخصية، كما أن قانون الإصلاح الزراعي وجّه ضربة قوية إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تستند إليها في الريف، بعدما حرر أعدادًا كبيرة من الفلاحين من بقايا العلاقات الإقطاعية، وربط مصالحهم بالنظام الجديد. لذلك انضمت القوى الدينية التي مثلتها المرجعية الشيعية بقيادة محسن الحكيم الى الانقلاب. 

وفضلا على ذلك، لم يكن الصراع منفصلًا عن أجواء الحرب الباردة؛ فقد وجد كل مشروع داعمه الدولي، إذ اقترب نظام عبد الكريم قاسم من الكتلة الشرقية، بينما حظي خصومه من القوميين العرب والبعثيين والمرجعية الدينية بدعم المعسكر الغربي.

 

الاقتتال التاريخي على وصم الدولة بهوية طائفية: 

 

لم يهدئ الإسلام الشيعي، بشقيه المذهبي والسياسي، بسعيه إلى وصم المجتمع العراقي بطابعه، وترك بصماته على الأدبيات السياسية، وعلى كتابة تاريخ العراق والدولة العراقية والمجتمع العراقي. غير أنه، لم يمتلك من الإنجازات ما يُذكر، سوى اصطفاف مرجعيته الدينية إلى جانب القوى الإمبريالية والرجعية، والتعبير عن مصالحها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وقد تجلى ذلك في معارضته لقانون الأحوال الشخصية رقم (188)، وتصديه لقانون الإصلاح الزراعي الذي أعاد توزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين، فضلًا عن إطلاق فتواه الشهيرة: "الشيوعية كفر وإلحاد"، بما خدم مصالح الغرب في خضم الحرب الباردة وصراعه مع المعسكر الشرقي آنذاك.

كما تجلى هذا الاصطفاف في تعاونه مع القوى القومية وحزب البعث خلال الانقلاب الدموي في 8 شباط/فبراير 1963، إلى درجة تحول بيت رجل الدين الشيعي محمد مهدي الخالصي في مدينة الكاظمية، بحسب ما ترويه شهادات عديدة، إلى مكان لإعدام الشيوعيين، حيث كان يُساق إليه عدد من المنتمين إلى الحزب الشيوعي العراقي ليُعدموا فيه.

وعلى صعيد الأدبيات السياسية، فُرضت قسرًا تسمية "الانتفاضة الشعبانية" على الهبّة الجماهيرية التي اندلعت في آذار من عام 1991ضد النظام البعثي عقب هزيمة العراق في الكويت على يد قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في حرب الخليج الثانية، في محاولة لإضفاء طابع مذهبي على انتفاضة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية أوسع.

وبعد غزو العراق واحتلاله عام 2003 ، اضفى الشرعية السياسية على احتلال العراق للوصول الى السلطة، في مؤتمر لندن عشية غزو واحتلال العراق برعاية الدوائر الاستخباراتية الامريكية والبريطانية،  واكتمل هذا المسار من خلال اختزال تاريخ جرائم النظام البعثي في قضية الدجيل، عبر محاكمة صورية لصدام حسين واعدامه، متجاهلين بذلك طيفًا واسعًا من الجرائم التي ارتكبها النظام، ومنها حملات القمع ضد الشيوعيين، والإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الكردي، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية في مدينة حلبجة، وتدمير آلاف القرى الكردية، وتغييب ما يقارب ١٨٠ ألف شخص من سكانها في عملية الانفال، وترحيل الكرد الفيليين، وزج آلاف من أبنائهم في السجون ثم إعدامهم، وتجفيف الأهوار، وحملات التصفية والقتل التي استهدفت مختلف أطياف المعارضة، فضلًا عن الانتهاكات الفاضحة للحريات المدنية وحقوق الإنسان وتكميم الأفواه. ومع ذلك كله، جرى اختزال هذه الجرائم وتوثيقها قضائيًا في قضية واحدة هي ما يُسمى بقضية الدجيل، لإضفاء الطابع الطائفي على النظام القومي البعثي، وتشويه التاريخ بما يخدم الحقانية الزائفة لما سموه بمظلومية الشيعة.

 

احتدام الصراع على هوية الدولة بعد الاحتلال 2003

 

لقد غيّر 14 تموز هوية الدولة العراقية، وكان الانتقال من الملكية إلى الجمهورية أحد أبرز مظاهر هذا التحول، إلى جانب الإصلاحات القانونية، وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية، الذي منح المرأة العراقية حقوقًا غير مسبوقة في الطلاق والزواج والإرث، وجعل الدولة أقرب إلى النموذج المدني والعلماني مقارنة بما كان سائدًا آنذاك. ولهذا السبب أثارت تلك الإصلاحات غضب المرجعية الدينية والقوى القومية والمحافظة.

واليوم، كما فعل النظام البعثي من قبل، تعمل سلطة الإسلام السياسي الشيعي على طمس هذا الحدث من الذاكرة التاريخية للمجتمع العراقي، وإحلال سرديتها الأيديولوجية والسياسية محله، وإن اختلفت دوافعها وأهدافها السياسية.

بعد احتلال العراق عام 2003، عاد الصراع على هوية الدولة التي لم تتشكل الى حد هذا اليوم إلى الواجهة. فقد احتدمت الخلافات بين القوى القومية والإسلامية التي جاءت إلى السلطة بدعم حراب الاحتلال حول طبيعة الدولة: هل تكون دولة مدنية علمانية أم اسلامية؟ وإذا كانت إسلامية، هل تكون شيعية-جعفرية على غرار الجمهورية الإسلامية في إيران أم إسلامية سنية؟، وهل تستند إلى الهوية العراقية (الوطنية) الجامعة أم إلى الهوية الطائفية أو القومية؟

وامتد هذا الجدل حتى إلى العلم العراقي، الذي تحول هو الآخر إلى ساحة للصراع السياسي، واتفقت القوى القومية والإسلامية على تأجيل النقاش حول العلم العراقي الى عام 2010 مع إبقاء كلمة "الله اكبر" الذي نحته صدام حسين عليه، وأُجّل الحسم النهائي حتى يومنا هذا خشية تفجير خلافات جديدة. 

ومع تشكيل مجلس الحكم على أساس المحاصصة القومية والطائفية، بدأ السعي لتغيير هوية الدولة التي لم تتشكل بعد. وقد حاول عبد العزيز الحكيم رئيس مجلس الثورة الإسلامية في العراقي حين ترأسه لمجلس الحكم، بإلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188 وإحلال القانون الجعفري محله عبر قرار ١٣٧، في محاولة واضحة للانتقام من الإرث التشريعي الذي ارتبط بمرحلة 14 تموز، إلا أن الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر ألغى القرار. غير أن الصراع على هوية الدولة لم يتوقف. فقد واصلت قوى الإسلام السياسي الشيعي محاولاتها لفرض هوية دينية جعفرية على الدولة، عبر مشاريع قانون الأحوال الشخصية الجعفري. وقد منيت عام ٢٠١٣، إحدى هذه المحاولات بالفشل ايضا، عندما سعى وزير العدل آنذاك، حسن الشمري، المنتمي إلى حزب الفضيلة الإسلامي، إلى تقديم مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري إلى البرلمان، إلا أن ضغوط القوى المدنية حالت دون تمريره. وفي عام 2025، نجحت القوى الإسلامية في تحقيق هدف سعت إليه منذ إقرار قانون الأحوال الشخصية لعام 1959، وذلك عبر تعديل القانون وتمرير ما يُعرف بـ"المدونة" الطائفية في البرلمان. وبالتوازي مع ذلك، سُنَّ قانون المناسبات الدينية، الذي ألغى عطلة ١٤ تموز بوصفها عطلة رسمية، واستبدلها بالمناسبات الدينية، وفي مقدمتها "عيد او يوم الغدير"، في توافق واضح بين أطراف الإسلام السياسي الشيعي، سواء المشاركة في السلطة أو الموجودة في المعارضة، والمتمثلة بالتيار الصدري.

 

ثورة ام انقلاب؟

 

إن الصراع حول توصيف حدث ما بأنه "ثورة" أو "انقلاب" ليس اختيار لمفردات من المقتنيات اللغوية حسب ما يراه الكاتب على استخدام المقولات والمفاهيم او اختلافا لغويا، بل هو صراع سياسي يعكس مصالح الطبقات والقوى الاجتماعية المختلفة. فاختيار المفاهيم السياسية لها دلالتها السياسية وتعبير عن المصالح المادية والطبقية للقوى التي تستخدمها. وعلى سبيل المثال وليس الحصر على ذلك هو ما جرى في سوريا، حيث أُطلق وصف "الثورة" على عملية إسقاط نظام بشار الأسد، رغم أنها تمت بدعم عسكري واستخباراتي مباشر من تركيا والولايات المتحدة، ونفذتها جماعات إسلامية مصنفة على قوائم الإرهاب الدولية. ومهما كان الموقف من النظام السوري، فإن هذا التغيير لم يكن تعبيرًا عن مصالح الطبقة العاملة والجماهير الساعية إلى الحرية والمساواة، بل جاء في إطار إعادة توزيع النفوذ بين القوى الإمبريالية وحلفائها الإقليميين. ومن ثم فإن إطلاق صفة "الثورة" عليه يندرج ضمن عملية تضليل سياسي تهدف إلى إخفاء طبيعته الرجعية.

وعليه، فإن الرابع عشر من تموز لم يكن أكثر من انقلاب عسكري، هدف إلى إحداث تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية في مكانة العراق، بما يتناسب مع تطلعات ومصالح الطبقة البرجوازية الصاعدة التي مثلها العسكر، كما كان الحال في مصر وسوريا وليبيا واليمن، الساعية إلى التحرر من الاستعمار من أجل نيل حصة أكبر في السوق الرأسمالية العالمية.

وبالتأكيد، ترك هذا الانقلاب آثارًا عميقة في مجمل شروط حياة فئات اجتماعية مختلفة، وحققت تلك الفئات مكاسب قانونية وسياسية واقتصادية لا يمكن إغفالها. وتُعد هذه المكاسب جزءًا من منجزات الحركة التحررية والثورية العالمية، التي كان المجتمع العراقي جزءًا منها ومؤثرا عليه بشكل مباشر. إلا أن الاعتراف بهذه المكاسب لا ينبغي أن يحجب الطابع الطبقي لحدث الرابع عشر من تموز.

فلم يمضِ عام واحد على قيام النظام الجمهوري حتى كشر عن أنيابه تجاه الطبقة العاملة، وفضح عداءه الصريح للحركة العمالية وقادتها ونشطائها، تحت شعارات «صيانة الجمهورية» و«مواجهة الاستعمار»، على غرار ما فعلته الأنظمة القومية العربية المتعاقبة، مع إضافة شعار آخر هو «معاداة الصهيونية».

إن الصراع حول الإبقاء على الرابع عشر من تموز أو استبداله بالمناسبات الدينية ليس صراعًا بين مشروعين متناقضين، بل هو صراع بين أجنحة البرجوازية على هوية الدولة وطابعها الأيديولوجي.

إن مصالح الطبقة العاملة وعموم الجماهير الكادحة لا تتحقق إلا في ظل نظام يقوم على الحرية والمساواة والرفاه الاجتماعي. ولم يؤدِّ استبدال النظام الملكي بالنظام الجمهوري إلى أي تغيير جوهري في تحقيق الحرية أو في تحسين الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للطبقة العاملة. بل على العكس تمامًا، وجّه النظام الجمهوري أولى ضرباته إلى الطبقة العاملة عندما أدرك أنها لن تتنازل عن حقوقها تحت الشعارات المضلِّلة التي رفعتها البرجوازية، والتي مثلها النظام الجمهوري بقيادة العسكر.

إن الموقف من الرابع عشر من تموز يجب أن تحدده الآفاق الطبقية والسياسية التي يفتحها، كما أن المقولات الشعبوية لا تصنع حقيقة تاريخية.

 

البوصلة النضالية للطبقة العاملة :

 

إن الاحتجاج والبكاء على تغييب الاحتفاء بالرابع عشر من تموز ليس سوى تعبير عن تيار اسير الشعبوية والرومانسية السياسية، فقد بوصلته في خضم الصراع المحتدم بين أجنحة البرجوازية على حسم السلطة السياسية وفرض هوية الدولة، وهي هوية ما زالت موضع صراع ولم تستقر حتى الآن.

أما بالنسبة للطبقة العاملة وعموم الكادحين وملايين العاطلين عن العمل، فإن هذا الصراع لا يعني لهم شيئًا، لأنه لا يوفر لهم لقمة العيش، ولا يضمن لهم حقوقهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولا يحقق لهم الحرية أو الكرامة الإنسانية.

ان النضال الحقيقي، وتوجيه نضال الطبقة العاملة، واحدى الحلقات المركزية في الصراع السياسي اليوم، لا يكمن في الجدل حول الإبقاء على الرابع عشر من تموز عطلةً رسمية أو إلغائه، بل في النضال من أجل إلغاء المناسبات الدينية بوصفها عطلات رسمية للدولة، ومنع إضفاء الهوية الطائفية على الدولة العراقية. والدفاع عن الهوية العلمانية للدولة يعني، بالنسبة للطبقة العاملة، انتزاع الورقة الطائفية والدينية من أيدي أكثر القوى البرجوازية رجعيةً وتعفنًا، والتي تمثلها سلطة الإسلام السياسي الشيعي. فهذه السلطة لا تستخدم الدين والطائفة إلا وسيلةً لإدامة هيمنتها السياسية وتفتيت المجتمع وإضعاف وحدة الطبقة العاملة.

إنَّ العمال في العراق يواجهون اليوم الشركات الرأسمالية العالمية، التي لا تعترف بأي هوية سوى هوية الربح وتعظيم الاستغلال. أمّا عرّابو العملية السياسية، الغارقون في مستنقع الفساد من قمم رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم، والذين يهللون ويصفقون لما يسمونه “الحرب على الفساد”، فليسوا سوى ممثلين محليين للرأسمال العالمي ومصالحه ومصالح تلك الشركات، أوكلت إليهم مهمة فرض سياساتها الاقتصادية من خلال تشريعات تقيد حقوق العمال، وتحد من حقهم في الإضراب والتنظيم النقابي والتظاهر، وتقمع كل صوت معارض. وفي هذا السياق، يمثل رئيس الوزراء الجديد، علي الزيدي، امتدادًا لهذه المنظومة السياسية، بمختلف أجنحتها الشيعية والسنية، لتنفيذ البرامج الاقتصادية التي تخدم مصالح رأس المال. وقد عبّر عن ذلك بوضوح عندما أعلن عزمه على القضاء على ما سماه «العقلية الاشتراكية»، أي استهداف كل ما يمت بصلة إلى قيم المساواة والرفاه الاجتماعي، وهو ما تجسد عمليًا في قمع الاحتجاجات العمالية ومواصلة السياسات المناهضة لمصالح الطبقة العاملة.

 

 

 

 

 

 

 

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف