
الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي
جلس ملاصقاً لزجاج نافذته، يتأمل العابرين في الشارع , في تلك اللحظة، هبّت من تلافيف ثيابه ريح مادية باردة ذكّرته بخواء جيوبه الموحش، ليتزامن ذلك مع صوت المذياع وهو يزفّ للأمة نبأ العثور على آلاف مليارات الدنانير مكدسة في مغارات وبيوت الساسة الأشاوس. يا للمفارقة الفلسفية الساخرة! فالكون الذي يتسع لملياراتٍ يبتلعها جوف رجلٍ واحد، يضيق ذاته عن تحقيق حلم بائس لا تتجاوز قيمته خمسة آلاف دينار؛ حلمٌ يتلخص في "شيشين" من الكباب التائه، وقطعة خبزٍ دافئة، ورأس بصلٍ لوّحته النار. إنها الحياة، تراجيديا مغلفة بمهزلة، وسيركٌ كبير يديره القدر بعبثية لا تُطاق.
كان المطر ينهمر بغزارة، والمارة يهرولون كمن يفر من سياط السماء. وفجأة، اخترق السكون مشهدٌ عبثي: دراجة نارية يقودها شاب أهوج، يطارد كلباً مشرداً باستماتة، مصمماً على سحقه تحت عجلاته دون أي سبب كوني مقنع. هنا، تحركت في نفس صاحبنا نخوة الفيلسوف الغاضب؛ فتح النافذة، وامتدت يده مدفوعةً بـ "أدرينالين" الإنسانية نحو أثقل كتاب في مكتبته— مجلدٌ ضخم لـ "ابن كثير"—وقذفه بكل ما أوتي من جوع صوب صاحب الدراجة. طار المجلد في الهواء مسافةً تليق بالعدالة المطلقة، وهبط بدقةٍ متناهية على رأس الشاب، ليسقط أرضاً في وحل الشارع، مستغلاً الكلب تلك الفجوة الزمنية ليفر بجلده نحو الخلود.
نهض صاحب الدراجة يترنح، يتلفت يمنة ويسرة، باحثاً ببلاهة عن مصدر هذه القذيفة المعرفية، ولما أعجزته الحيلة، صبّ جام غضبه على كتاب "ابن كثير"؛ فمزق أوراقه وداس عليها بحنكة الجهلة، ثم مضى لحاله. عاد صاحبنا إلى سريره، مغلقاً نافذته، فيما كانت بطنه تقيم صلاة الاستسقاء وتصرخ بضجيجٍ يطالب بالطعام، دون أن يسمنها كتاب أو ينقذها طرد الكلب.
وفجأة، دكّ الباب دكاً خفيفاً أيقظ أحشاءه الصارخة. فتحه، فإذا بطفلٍ مبتسم يحمل صينيةً تفوح منها رائحةُ ما يسد رمق فيلسوفٍ أوشك على الانقراض جوعاً. نظر الصغير إليه بعينين بريئتين لم تلوثهما بعد فلسفات الأرض، وقال ببراءة: "عمو، هذا الطعام ثوابٌ لروح جدي، أرسله أبي إليك، هنيئاً مريئاً، ولا تنسَ الفاتحة".
أغلق الباب وضَمّ الصينية إلى صدره كنزاً ثميناً. وفي تلك اللحظة الفاصلة بين العدم والامتلاء، فرّت من عينه دمعة حائرة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة الفرح، لينظر إلى السماء متمتماً بأدبٍ جم وعمقٍ واثق: "يا لَرحمة الله الواسعة.. يارب كم أنتِ دقيق الميزان، وسريعة الحساب؛ فما كان الكتاب الذي قذفته إلا رسالةً كُتبت بالنيابة عن مظلومٍ صامت، وما كانت هذه الصينية إلا مكافأةً فورية صيغت بلغة الغيب.
إنها معادلة الوجود الأزلية: حين تجود بما تملك لإنقاذ كائنٍ لا يملك نفعاً ولا ضراً، يأتيك المددُ من حيث لا تحتسب، لنعلم ان الشفقة دائرة مغلقة؛ تُقذفُ من النوافذِ كُتباً، فتعودُ عبر الأبوابِ خبزاً وكبابا وسلاماً".















