
عباس البخاتي
حين يغيب الضوء، قد لا يصبح كل شيء ظلامًا، بل تختلط الألوان حتى يعجز الناس عن التمييز بين الأبيض والأسود.. وهذه أخطر المراحل التي تمر بها الأمم؛ إذ لا تكون المشكلة في كثرة الفاسدين وحدها، بل في ضياع المعيار الذي يُعرِّف الناس بالفاسد، ويمنح النزيه حقه من الإنصاف.
منذ عام 2003 دخل العراقيون مرحلة جديدة امتلأت بخطابات الشفافية والمكاشفة والمصارحة،وكانت هذه المفردات تبعث الأمل بإقامة دولةٍ تجعل المواطن شريكًا في معرفة ما يجري داخل مؤسساتها، وتؤسس لعلاقة تقوم على الثقة بين السلطة والشعب، غير أن الواقع مضى في اتجاهٍ آخر؛ فقد بقيت الشفافية شعارًا يتكرر في الخطب، بينما ظل الغموض يحكم كثيرًا من الملفات التي تمس حياة الناس ومستقبلهم.
مع مرور الوقت صار المشهد أكثر التباسًا، فأختلطت الأصوات حتى تساوت في نظر كثيرين دعوات الإصلاح مع حملات التسقيط، واختلطت المبادرات الوطنية بالمزايدات السياسية، وصار النزيه يدفع ثمن فساد غيره، لأن غياب الحقيقة يفتح الباب أمام الشائعات، ويجعل الجميع متهمين في نظر الرأي العام.
هنا تكمن خطورة الضجيج الذي تصنعه منصات الإعلام غير المنضبط ومواقع التواصل، فالمواطن بات يتلقى معلوماته من صفحات مجهولة الهوية والتمويل وخبيثة الغاية، فتنسج الأخبار من خليطٍ يجمع بين الفبركة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وشيءٍ يسير من الوقائع، ثم تقدمها للرأي العام بوصفها حقائق نهائية، وما أسرع أن يتحول الخبر لقناعة، والقناعة إلى حكم، وهذا لإدانةٍ اجتماعية لا تحتاج إلى دليل.
أصبحت الشعبوية تصنع رأيًا عامًا أسرع مما تصنعه المؤسسات، وأصبح "الترند" في كثير من الأحيان أقوى من الوثيقة، وأعلى صوتًا من القضاء، حتى غدا بعض الناس يردد ما يسمعه لا ما يتيقنه، وكأن المثل الشعبي "حشر مع الناس عيد" قد تحول لمنهجٍ في تشكيل القناعات.
في مثل هذا المناخ، لا تكفي التصريحات، ولا تكفي البيانات، ولا تكفي الوعود، لإن ما يحتاجه العراق اليوم هو استعادة الثقة، وهذه لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالفعل المؤسسي الواضح.
من هنا تبرز الدعوة إلى المحاكمات العلنية لرموز الفساد، لا بوصفها مطلبًا إعلاميًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية وقانونية، فالمحاكمة العلنية لا تستهدف التشهير، وإنما ترسيخ العدالة، وإقناع المواطن بأن القانون يطبق على الجميع، وأن المال العام ليس مباحًا لمن يمتلك النفوذ أو الحماية السياسية.
إعلان المحاكمات أمام الرأي العام يحقق أكثر من غاية؛ فهو ينصف النزيه الذي ظل يُتهم بجريرة الفاسدين، ويكشف الحقيقة بعيدًا عن الإشاعات، ويمنح القضاء فرصة لترسيخ صورته باعتباره سلطة مستقلة تقف على مسافة واحدة من الجميع، كما يثبت جدية الدولة في مواجهة واحدة من أخطر الآفات التي استنزفت مقدرات العراق لعقود.
الذاكرة العراقية ما تزال مثقلة بعشرات اللجان التحقيقية التي شُكلت إثر ملفات فساد، أو اعتداءات على المال العام، أو تجاوزات على أملاك الدولة، أو أحداث هزت الرأي العام. صدرت قرارات، وأُعلنت لجان، وتناقلت وسائل الإعلام أخبارها، ثم اختفت النتائج، وكأن تلك اللجان كانت نهاية القضية لا بدايتها.
لا يهم اليوم تعداد الأمثلة، فهي حاضرة في ذاكرة العراقيين عبر الحكومات المتعاقبة، لان المواطن لم يعد يبحث عن إعلان لجنة جديدة، بل عن نتيجة نهائية يراها بعينه، ويطمئن من خلالها إلى أن القانون لم يتحول إلى مجرد نصوص مؤجلة التنفيذ.
كما لا يجب أن ننسى أن المرجعية الدينية، طالبت مرارًا بالضرب بيدٍ من حديد على رؤوس الفساد، كما أن الدستور والقانون وروح العدالة جميعها تلتقي عند مبدأ واحد "لا حماية لفاسد، ولا حصانة لمن اعتدى على المال العا"..
يبقى السؤال الذي ينتظر العراقيون إجابته بالفعل لا بالخطاب،هل تمتلك السلطتان القضائية والتنفيذية الشجاعة الكافية لنقل ملفات الفساد الكبرى إلى محاكمات علنية يراها الشعب؟ وهل تستطيع الدولة أن تجعل العدالة مرئية، فلا يبقى المواطن أسير التخمين، ولا ضحية الإشاعة، ولا رهينة الضجيج؟
إن محاكمة الفاسد على الملأ ليست هزيمة لشخص، بل انتصارٌ لفكرة الدولة، وهي قبل أن تكون عقوبة للمذنب، هي إنصاف للنزيه، وحماية للمجتمع، واستعادة للثقة التي لا يمكن لأي وطن أن ينهض من دونها.















