
صباح الزهيري
في صفحاتِ التاريخِ المسطور, وبين طياتِ الزمانِ المقهور, يقفُ العراقُ شامخاً كطودٍ عظيم , لا تُنالُ من عزيمته الخطوب , ولا تكسرُ إرادته الكروب , هو الذي قال فيه الفاروق عمر بن الخطاب :
العراق جمجمة العرب , وكنز الإيمان , ومادة الأمصار, ورمح الله في الأرض , فاطمأنوا فإن رمح الله لا ينكسر ,
ان دلالة الرمح , أصالةٌ لا تلين حين وصف الفاروق العراق بأنه جمجمة العرب , لم يكن يصف جغرافيا , بل كان يشير إلى السيادة والرفعة , فالجمجمةُ هي الرأس , والرأسُ أشرفُ الأعضاء , وحين أسماه كنز الإيمان , فإنه عنى مستقره ومجمعه الذي لا ينضب , أما وصفه برمح الله فهو إقرارٌ بقوة أهله في الذود عن الحق , وحماية الثغور , وإمداد الأمصار بالمدد والعون , هذا الرمح الذي صان بيضة الإسلام لقرون , وكانت عاصمته بغداد منارة العلم والسلطان , لا يزال يحمل في جوهره سر البقاء , فالعراق قد يمرض , ولكنه عصيٌّ على الموت.
اذا تحدثنا عن مخاض الألم وفوضى الكاوبوي , لا ننكر أن الجرح غائر , فمنذ عام 2003 , سقطت بغداد في أتون فوضى لم ترحم تأريخها , دخل الاحتلال بإسم الديمقراطية , فخرجت الدولة من الباب الخلفي , وحلّت المسدسات العشوائية محل النظام , وتحول الوطن إلى غنيمة تتقاسمها الولاءات الضيقة , لقد انتقل العراق من استبداد مركزي إلى فوضى مسلحة تدار فيها المدن بلا سيادة , وأمام هذا الواقع , يشعر الفرد العراقي اليوم بأنه محاصر بين دولة تتقن التهميش وسوق عمل يبتلع كرامته , حتى كادت الأحلام أن تُدفن تحت أنقاض وطنٍ يرفض الاستيقاظ , ولكن , هل ينكسر رمح الله؟
ملامح الخلاص , من الوعي إلى المستقبل : إن حقيقة العراق تكمن في قوله (ص) إن فيه خيراً لن ينفد إلى يوم الدين , وهذا الخير لا يُستعاد بالتصفيق الأعمى , بل بالوعي الذي يميز بين الخيانة والوطنية , إن نجاتنا تكمن في : إعادة بناء الهوية الوطنية , لا عبر الخطب الإنشائية , بل من خلال دولة المؤسسات والمواطنة التي تصهر الهويات الفرعية في بودقة العراق الواحد , والمصالحة عبر المصارحة , أن نصالح أنفسنا بالاعتراف بالخطأ والاعتذار, بعيداً عن مختبرات الحقد الطائفي والقومي , وأن نسارع الى الألتحاق بثورة التكنولوجيا والعقل , اذ بينما انشغلنا بالآيديولوجيات المتطرفة , سبقتنا الأمم بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية , والمستقبل لمن يملك الوعي العلمي , لا لمن يقتات على أوهام الزعامات.
وبخصوص معركة الوعي والتحرر من أغلال الماضي , نجد إن تحرير العراق الحقيقي لا يبدأ من الساحات فقط , بل من العقول التي أرهقتها القيود الآيديولوجية , لقد آن الأوان لنعترف بأن بناء الدولة الحديثة لا يتم عبر اجترار الضغائن , بل عبر مشروع وطني جامع يُصاغ في فضاء العقل الجمعي , بعيداً عن مختبرات الأحقاد القومية والطائفية , إن الشاب العراقي الذي يفتح كتاب الحياة اليوم من جهته الأعمق , يدرك أن ((أذا كان النظام الذي مر دكتاتوريا , فالدكتاتورية شرف أمام خيانة الأوطان)) , وأن السيادة لا تُستجدى بل تُبنى بالعلم والعمل , إننا بحاجة إلى ثورة ثقافية تعيد تعريف الذات العراقية كأمة موحدة تستلهم من حضارتها القديمة روح الابتكار, ومن نكباتها المعاصرة دروس القوة , لتواجه حروب اليوم التي لا تقتل الأجساد فحسب , بل تغزو الوعي وتحتل الإدراك.
علينا الاستثمار في الإنسان , وبوابتنا نحو العصر الرقمي , فبينما يغرق البعض في الجدل العقيم حول الماضي , يخطو العالم نحو الذكاء الاصطناعي وثورة الرقائق الإلكترونية كأدوات للتنافس الحضاري , إن الأمل يكمن في تحويل طاقات الشباب العراقي من ضحايا للتهميش إلى صناع للمستقبل التقني , إن الرهان اليوم هو على (( العقول النيّرة )) التي تفهم ما وراء السطور , تلك التي ترفض أن تظل عاطلة على رصيف الانتظار وتشرع في بناء اقتصاد المعرفة , إن العراق الذي كان (( مادة الأمصار)) يمتلك من الموارد البشرية ما يجعله قادراً على القفز فوق جراحه , ليكون منارة تقنية وعلمية في المنطقة , فالموهبة العراقية إذا ما اقترنت بالاستقرار والمؤسساتية , ستحول الرماد إلى ذهب , والخراب إلى نهضة لا تُصد.
يا أبناء العراق , نبقى رمحٌ يطاول السماء إن نجاتنا لا تكمن في الخلاص الفردي , بل في الإيمان بأن هذا الوطن جمجمة العرب , لن يحني رأسه للعواصف أبداً , إن دموع الفقراء وصبر المكابدين هي البذرة التي ستنبت وطناً لا يُهدر , وطناً يصالح أبناءه ويعيد تعريف هيبته أمام الأمم , فالعراق يمرض ولكنه لا يموت , وكما تنبأ شاعرنا الكبير عبد الرزاق عبد الواحد في لحظات التفاؤل والشموخ بوطنه الذي لا ينكسر حين قال :
سَـيُورِقُ هـذا الـرَّمادُ ويَـخْضَرُّ هذا اليَـبابْ
ويَـبْزُغُ مِنْ خَلْفِ هـذا السَّحابِ ضِياءٌ
عَـجَبْ فـلا تَـقنَطوا ,
إنَّ بَـعْدَ الـعَذابِ يَـطيبُ الإيابْ
وإنَّ الـعـراقَ سَـيَـبقى
العـراقَ , عَـصِيَّ الـلَّـهَبْ ,
اطمأنوا , فالحرمة والمنزلة والكرامة التي جعلها الله لهذا البلد لن تضيع , والوعي هو الطبيب الذي سيشفي الجراح , وكما قال الفاروق أول مرة , نرددها اليوم وكل يوم :
اطمأنوا فإن رمح الله لا ينكسر . ولما كان لا وقت للحزن , فالفجرُ قريب , فيا كل عراقي يحمل في جسده رائحة وطنٍ مهدور , تذكر أنك أنت من سيزرع وطناً لا يُهدر , إن حوبة هذا الشعب ودموع فقرائه لن تذهب سدى , إذا كان هذا زمن السفلة كما يبدو , فإنه زمن عابر , وعلينا أن نحافظ على أنفسنا وشرفنا , لأن المرحلة القادمة ستنادي الشرفاء لبناء ما دمره الغوغاء , العراق لا يُبعث إلا بالوعي , ولا يُشفى إلا بالحقيقة , وكما قال الجواهري الكبير :
يعز عليّ كسر عين العراق ,
فعين العراق لن تكسر ,
اطمأنوا , فالحضارة التي علمت البشرية الحرف , قادرة على أن تكتب فصل الخلاص بمداد من نور , فما دام الله قد جعل فيه خزائن علمه ورحمته , فإن هذا الرمح سيبقى شامخاً , ورمحُ الله لا ينكسر.














