مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة

أربعاء, 01/07/2026 - 23:40

 

صباح الزهيري

قالَ شيخُنا (حفظَ اللهُ لسانَهُ من الزلل) , وهو جالسٌ في مجلسِهِ بين تلامذتِه , وقد سُئِل عن سُلطانِ الكلمةِ على القبائلِ , مُستفتحاً بذكرِ العربِ الأوائلِ :

 

يا لَحكمةِ الكلمةِ عندَ العربِ ,

ويا لعجيبِ فعلِها في الأنوفِ والجوارح ,

لقد كانت الكلمةُ سَيفَاً قاطِعاً ,

ترفعُ أقواماً إلى ذُرى المجدِ ,

وتَخسفُ بآخرين إلى مَهالكِ الذُلِّ ,

فبيتٌ واحدٌ من شِعرٍ قد غيّرَ وجهَ التاريخِ لقبيلةٍ بأسرِها ,

وحوّلَ السُخريةَ المُرَّةَ إلى فخارٍ يُتغنَّى به ,

وبيتٌ آخرُ زَلزلَ أركانَ قبيلةٍ شامخةٍ ,

حتى سَرَتْ أبناؤها يبدِّلونَ الأنسابَ فراراً من دَنَسِ العارِ,

فأسمعوا يا بنيَّ خبرَ بني أنفِ الناقةِ ,

تلك القبيلة التي غَلَبَ عليها اسمٌ استنقصوه ,

ولقبٌ استثقلوه ,

فكان أحدهم إذا سُئِلَ عن أصلِه انتفضَ ,

وقال : من بني قُرَيع ,

ويتجاهلُ ذكرَ جدّهِ الذي جلبَ لهم الاسمَ ,

وهو جعفرُ أنفُ الناقةِ بنُ قُريعِ بنِ عَوفِ بنِ مالكٍ.

وكانت حكايتُهم أنَّ أبا جعفرٍ هذا نحرَ ناقةً عظيمةً , ووزّعَ لحمَها على أولادِه , غيرَ أنَّ صبياً منهم تأخّرَ في المجيءِ , فلم يجدْ من الجزورِ إلا رأسَها , فأعطاهُ إياهُ الأبُ , فأخذَ الغلامُ الرأسَ , ووضعَ أصابعَه في أنفِها , وجعلَ يجرُّهُ إلى بيتِ أمّه. فرآهُ الناسُ , وسخروا منهُ قائلينَ :

 

هذا أنفُ الناقةِ ,

 

فصارَ الاسمُ عليهِ , ثم ورثَهُ أولادُه من بعدِه , فدُعُوا: بني أنفِ الناقةِ ,

ومعَ مرورِ السنينَ , صارَ هذا اللقبُ مَثارَ سُخريةٍ وتهكُّمٍ , حتى كادت بناتُ القومِ يُحرمنَ من الزواجِ , لأنَّ الناسَ تنكّبوا أنْ يَنتسبوا إلى مَن يحملونَ اسماً كهذا , ولكنَّ القدرَ خَبَّأَ لهم سِرَّاً عظيماً , إذ نزلَ بهم الشاعرُ المفَوَّهُ الحُطَيئَةُ , واسمُهُ جرولُ بنُ أوسٍ ضيفاً , وكانَ الحُطيئةُ قد نزلَ عندَ رجلٍ من بني أنفِ الناقةِ اسمُهُ بَغيضُ بنُ عامرِ بنِ لؤيٍ , فأكرمَهُ بغيضٌ , وأحسنَ ضيافتَهُ أيما إحسانٍ , فما كانَ من الحُطيئةِ إلا أنْ جادَ قريحتُهُ , فأنشدَ أبياتَهُ الخالدةَ التي كفّتْ عنهم ألسنةَ الساخرينَ , ومحتْ عنهم العارَ, ورفعتْ شأنَهم , مُبيِّناً أنَّ الأنفَ هو مُقدّمُ كلِّ شيءٍ :

 

سيري أمامَ فإنَّ الأكثرينَ حَصَى

والأكرمينَ إذا ما يُنسَبونَ أبَا ,

**

قومٌ هُمُ الأنفُ , والأذنابُ غيرُهُمُ

ومَنْ يُساوي بأنفِ الناقةِ الذَّنَبَا؟ ,

 

فانقلبتْ الموازينُ , وصاروا بعدَ هذا البيتِ يتباهونَ بلقبِهم , ويَجهرونَ بهِ بينَ القبائلِ , بعدما كانَ سبباً في الخزيِ , أصبحَ عنواناً للعِزِّ والفخارِ. ثمّ التفتَ الشيخُ وقال:

 

وللكلمةِ وجهٌ آخرُ , وجهُ الهدمِ والفناءِ, ألا تسمعونَ بالقصّةِ المشهورةِ التي هَدَمَتْ قبيلةً بأكملِها , وألصقتْ بها العارَ بينَ العربِ , وهي قصّةُ جريرٍ مع الراعي النُّميريِّ في العصرِ الأمويِّ ؟ كانت قبيلةُ نُميرٍ قبيلةً عزيزةَ الجانبِ , حتى جاءَ بيتٌ واحدٌ فأطفأَ ذِكرَها , وألزمَ أبناءَها تغييرَ نسبِهم اتقاءً للعارِ , وكانَ الراعي النميريُّ شاعراً من شعراءِ عصرِهِ , ولهُ مجلسٌ معَ الفرزدقِ في البصرةِ , وكانَ من كُرماءِ قومِه , لكنّهُ تورّطَ في المعركةِ الشعريةِ بينَ جريرٍ والفرزدقِ , وفضَّلَ الفرزدقَ على جريرٍ , ووصلَ به الأمرُ أنْ هجا جريرَ , فغضبَ جريرٌ , وقرّرَ أنْ يُلاقيَهُ , فلما التقى به في البصرةِ , حذّرَهُ جريرٌ, وقالَ لهُ :

 

إمَّا أنْ تدعني وصاحبي ,

وإمَّا أنْ تُغلبني عليهِ ,

لما لي من مدحِ قومِكَ وذَبّي عنهم ,

 

فوعدَهُ الراعي بالاعتذارِ , ولكنَّ الأمرَ ساءَ , إذ جاءَ ابنُ الراعي فأسقطَ جريرَ من على فرسِهِ , وقالَ لأبيهِ :

 

لا يراكَ الناسُ واقفاً على هذا الكلبِ من بني كُليبٍ ,

 

فاستشاطَ جريرٌ غضباً , وقالَ لهم :

 

أمَا واللهِ لأُثقِلنَّ رواحِلَكُم

ولأُوقِرَنَّها بما يسوءُ نساءَ بني نُميرٍ ,

 

وعادَ جريرٌ إلى خبائِه , وأمضى ليلتَهُ يطلبُ القافيةَ , حتى سُرَّ بها سُروراً عظيدماً , وبدأَ يُملي على راويتِهِ قصيدتَهُ التي سُمِّيتْ الدامِغَةَ لأنها دمغتْ الراعي وقومَهُ , ولما وصلَ إلى البيتِ القاضي , قالَ لراويتِهِ :

 

فَغُضَّ الطَرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ **

فَلا كَعْباً بَلَغْتَ وَلا كِلابَا,

 

ثم قالَ لهُ :

أطفئِ السراجَ ونَم ,

فقد فَرَغْتُ منهم .

 

وفي الصباحِ , شاعتْ القصيدةُ , وكانَ هذا البيتُ أشدَّ ما فيها , إذ أمرَهُم بخفضِ البصرِ ذُلاً ومهانةً , لأنهم لم يبلغوا منزلةَ قبيلتِه كُلاب ولا قبيلةَ أمّه كعب , ويُرْوى أنَّ الراعيَ وقومَهُ لم يَمرّوا بماءٍ إلا وقد سَبقَهُم إليهِ هذا البيتُ , وخرجتْ نساؤهم وصبيانُهم يقولونَ :

 

قَبَّحَكُمُ اللهُ , وقَبَّحَ ما جِئتُمُونا بهِ , ومنذُ ذلكَ الحينِ , أخذَ بنو نُميرٍ يُغيِّرونَ نَسَبَهم وينتسبونَ إلى قبيلةِ عامرِ بنِ صعصعةَ , وهي القبيلةُ الأمُّ , هروباً من العارِ , وهكذا صارَ بيتٌ واحدٌ كافياً لإخمادِ قبيلةٍ بأكملِها , بعدَ أنْ كانت تتبجَّحُ بقوتِها وشَرَفِها.

 

ثم أطرقَ الشيخُ هنيهةً , ونظرَ في وجوهِ تلامذتهِ , مُتسائلاً :

أبعدَ هذا القصصِ والعِبَرِ , يظنُّ أحدُكُم أنَّ سُلطانَ الكلمةِ قد زالَ في زمانِنا هذا ؟ هيهات , بلْ زادَ شأنُها , وعَظُمَ خطرُها , إنَّ الكلمةَ التي كانت سيفاً مُشْرَعاً على المنابرِ وفي الأسواقِ , هيَ اليومَ سيفٌ ورمحٌ في كلِّ جيبٍ وفي كلِّ دارٍ , لقد تبدّلَ الزمانُ وتغيّرتِ المجالسُ , ولكنَّ جوهرَ الحقيقةِ باقٍ , فلم يَعُدِ العارُ أو الفخارُ يقتصرُ على بيتِ شعرٍ يُلقى في سوقِ المربدِ , بل صارَ يُحاكُ في كلماتٍ سريعةٍ تُرسلُ عبرَ الأثيرِ , تُعرفُ بالرّسائلِ الرقميةِ , وإنَّ بيتَ الهجاءِ الذي دمغَ بني نُميرٍ

 

فغضَّ الطرفَ إنَّكَ من نُميرٍ ,

 

هو اليومَ تعليقٌ ساخرٌ, أو صورةٌ مشوهةٌ , أو كلمةٌ مُنتقاةٌ في وسائطِ التواصلِ الاجتماعيِّ , قد تهدمُ بيتاً أو تُدمّرُ سُمعةَ رجلٍ أو امرأةٍ , في أقلَّ من غمضةِ عينٍ , كما أنّ قصيدةَ الحُطيئةِ التي رفعتْ بني أنفِ الناقةِ فصارتْ لهم عزّاً , هيَ اليومَ رسالةُ مدحٍ صادقةٍ , أو كلمةُ تشجيعٍ بَنّاءةٍ , أو فكرةٌ تُنشرُ بالصوتِ والصورةِ , فتبني مجداً لصاحبها وتُلصقُ بهِ لَقَبَ الشرفِ والجودةِ والمصداقيةِ.

 

فيا أبنائي , إذا كانتْ كلمةٌ واحدةٌ في الماضي تُجبرُ قبيلةً بأسرِها على تغييرِ نَسبِها , فكيفَ بنا اليومَ ونحنُ نعيشُ في زمنِ الكلمةِ الفائرةِ التي تنتشرُ كالنارِ في الهشيمِ ؟

 

الخلاصةُ :

إنَّ لِسانَ المرءِ في زمانِنا لم يَعُدْ فقطْ ميزاناً لعقلِه , بلْ صارَ مفتاحاً لسمعتِه التي تُبثُّ للعالمِ أجمع , فاحذروا أنْ تكونَ ألسنتُكم , أو أطرافُ أصابعكم على الشاشاتِ , هيَ سببَ عارٍ تندمونَ عليهِ , أو سببَ مجدٍ تُباهونَ بهِ.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف